هيـَّ..يه يا جماعة حيلوا عنا ..
( الجمل قصع الجرة ) ..
ووقع الخبر كالصاعقة على جموع الناس رجالا ونساء صغارا وكبارا .. وأخذ كل واحد ينظر بأسى إلى من حوله مرة .. وأخرى إلى زهابه ( شفرة – زنبيل – منثل – قفه – مذري – صفره – كيس خيش ) .
دعونا .. نترك الجموع وقد اكتظت بهم سيح وطرقات شعب النعيم وسيح وطرقات بيوت ( أبوراس – خثعمي – ابن خرمان ) ..
وأخيرا بؤرة الحدث بيت ابن خفير ..
ونبحث في بداية القصة ..
منذ الساعات الأولى للصباح وقبل شروق الشمس .. انتشر الخبر في القرية انتشار النار في الهشيم وأخذ كل بيت يعد نفسه لرزق قادم من وسط الكارثة .. من رحم المصيبة .
جمل ابن خفير مريض ..
وهذا يعني أنه سينحر ويوزع لحمه .. وتلك مناسبة يجب أن لا تفوت .. لحم ومرق .. وخشيب .. وتدفئة ..وبالجملة ليلة مشبعة !!
ربما كان أحد مرتادي المنتدي ثمرة من ثمار تلك الليلة ..!!
وهكذا أخذ كل بيت بالقرية يعد واحدا أو أكثر من أفراده بما يضمن حصولهم على حصة كافية من الغنيمة .. مع تزويدهم بما يلزم من أدوات تعين في التقطيع وبالتالي الحفظ وسهولة النقل .
ومع شروق الشمس كانت الأقدام تقود الناس إلى بيت بن خفير ـ وبالمناسبة بيت بن خفير من أهم البيوت في القرية وإذا ذكر أهل الرأي والمشورة والمرجلة بالقرية وهم معدودون فإن علي بن خفير رحمه الله يعد واحدا منهم .
وأخذت الجموع تتزاحم حول بيت بن خفير بانتظار الخبر السعيد .. نحر الجمل والبدء في توزيع لحمه ..
ولا أحد يعنيه ما يدور بداخل المنزل من هول المصاب ..
ذلك أن الجمل يعتبر للأسرة ـ أي أسرة ـ من أفضل وأغلى الممتلكات إضافة إلى أنه تربطه بأصحابه مع الزمن روابط ودّ وألفة حتى لكأنه أحد أفراد البيت .
وتمر دقائق الانتظار بطيئة .. فكل واحد من الجموع ينتظره أكثر من شغل وعمل .. وفجأة يخرج أحدهم ـ من ثمة البيت ـ كما جاء في المقدمة بالخبر الصاعقة ..
( الجمل قصع الجرة )
ولأهمية الموقف وتقريب الصورة لبعض القراء نقول إن العبارة تعني أن الجمل بصحة جيدة بدليل أنه بدأ يستجرّ مافي جوفه ويعاود طحنه بأسنانه .. وبالتالي لن ينحر .. وعلى الجموع العودة إلى منازلهم وأشغالهم .. غير مطرودين ..
تذكرت هذه العبارة القنبلة ـ أيها السادة ـ وأنا أنظر قبل أيام في نشرات الأخبار إلي قطعان الأبقار في البر الإنجليزي وكاميرات المصورين تلاحقها بالطائرات لإصابتها بالحمى القلاعية ..
وكدت أ قدم لهم نصيحة .. بأن لا يتعبوا نفوسهم فالحل بسيط .. فالأبقار التى ( تقصع الجرة ) بخير وما عليها خلاف .. وعليهم استكمال دورة تهيئتها حتى تتحول إلى جنيهات استرلينية ووسائل ضغط سياسي عبر تصديرها إلى العالم النايم .. آسف النامي ؛ واللي ما ( تقصع الجرة ) عليهم التخلص منها فورا ..
لكن الجماعة ما بيسمعون كلامي .. فربما تجهز كمساعدة أو أن أحد التجارـ عديمي الضمير ويا كثرهم ـ قد اشتراها ودفع قيمتها مقدما وسوقها جاهز ورائج في العالم الثالث ، ومين داري ياعم .
والثانية أني ما أحبهم وقلت الله يقلعهم هم .. وبقرهم .
حسنا ..
دعونا بعد هذا الاستطراد المخل نعود إلى شعب النعيم .. فعلى إثر خبر أن ( الجمل قصع الجرة ) .. أخذت بعض الجموع بالانسحاب .. خصوصا من بدأ يضيق من حرارة الشمس وكذلك من وراءه عمل لا يحتمل الانتظار ..
وبقي آخرين في انتظار انتكاسة الجمل مجددا ..
وبدأت تتشكل حلقات هنا وهناك وفي ظل جدران البيوت المجاورة هروبا من حرارة الشمس ..
وهات يا حكي عن تجارب سابقة لمثل هذه المناسبة وما أصابه المتحدث أو المتحدثة من خير وفير.. خصوصا وقد اعتاد الناس بحكم الحاجة مشاركة الهوام والطيور ..
وقد اعتاد الأهالي أخذ الحيوان المريض (بقرة – ثور- جمل) في الحالات الميئوس منها إلى مكان بعيد عن القرية للتخلص منه ومن تبعاته ومخلفاته وغالبا بالقرب من (حصن المدوره ) المطل على (قطار الغيرة ) وتحديدا أعلى ارتفاع للذاهب إلى القرية والعقبة بالمنطقة المسورة للحسيل بجوار المشهد . وهناك يتشارك بعض البشر مع الهوام والطيور في الفريسه .
معليش طوّلناها شوية !!
مرة أخرى وأخيرة .. نعود إلى شعب النعيم ..
أخذ الإعياء والتعب والإحباط يخيم على الحلقات التي تشكلت هنا وهناك .. ولا تستغرب إذا مررت بحلقة وسمعت من يحلف لتأكيد ما يقول ( والله عدّ راسي _ والله عد راس أولادي ـ وعلي الطلاق ـ والله يقلعني ).
ولو أعرت سمعك لذلك الذي يخفض صوته وهو يحاكي خويّه في معرض الحديث عن العوض الذي يدفع من قبل الجماعة كُلاً حسب قدرته لصاحب الحيوان الذي يفقد .. بما يوازي قيمته وأكثر ؛ لسمعته يقول والله إن ابن خفير يستاهل كل خير أهو صاحب الفزعات وأبو الجمايل .. لكن أعرفه والله ما ياخذ عوض .. الله موسّع عليه .. والله يزيده .
وأخذت تسري الإشاعات بين الجموع وتتناقل التكهنات .. بين متفائلة ومتشائمة نتيجة متابعه وقراءة لأ وجه بعض الجماعة الداخلين والخارجين من والي مقر المصاب من المهتمين بالحدث كمطمئنين وفزاعه .
وسط هذا الجو المشحون بالتوقعات والتكهنات وبعد ساعة تقريبا من إلقاء الخبر الصاعقة ..!!
أتى الفرج ..
تقرر نحر الجمل ..
وقد كان ..!!