أخصروه .. !!
شاهدته بعد انقطاع أكثر من عشرين عاما بلحية كثة ..
وكنت لحظتها أنظر وأتأمل في الحصن الذي يتوسط القرية وقد انهار ثلثيه الأعلى ، والصحيح شُطر ؛ كأنما تم ذلك بسكين احترافية كتلك التي بنته كبرج مراقبة لرصد الداخلين إلى القرية من غير أهلها وللطوارئ ***ن للأهالي أيام الحروب حيث يمتد سرداب من ( قعره ) لمسافة تقرب من اثنين كيلو متر إلى ( بير العارض ) لضمان حياة من بالحصن ، ويعود سبب شطره لحاجة حجارته لاستكمال بناء مسجد القرية وكـأنما هذا الهرم صنم من تمر .. جاع عابده وأخذ يأكله ..
ونحيل عشاق التاريخ للتأكد من رواية تقول أن حجرا أُخِذ من الحصن وبه تاريخ بناءه وتحديدا عام 200هـ واستخدم كجباهة لمدخل العزورة (المنارة) للمسجد القديم ..
فركت عيني وأنا أشاهده ( أعني صاحبي ) وقفت مبهورا أمام شخص آخر.. تماما كأنه لتوه قادم من مغارة مجهولة محتقنة بالهواء الساخن والجاف وبالغبار والدخان .. لم يعد سوى بقايا ملامح ..
صورة مشوهة..
بقايا إنسان عرفته.
كدت وأنا أحضنه بشوق .. أن أنفك منه وأهرب .. ذلك أنه لم يعد سوى كتلة من العظام أكاد أشمها.. وتداخلت الصور في ذهني وتعددت ..
(بقايا صاحبي ـ الحصن المنهار ـ السرداب وقد أصبح سكنا للثعابين والحيات والعقارب ـ بير العارض التي فقدت أيام عزها ـ والمسجد المهجور)
أخافني ..!!
شعرت أنه بإمكاني أن أمشي بقدمي بين تجاعيد وجهه .. وأن أسكن آمناً بين لحيته الكثة رغم هول منظرها الأشيب مقارنه بما كان .. وأتلحف ببقايا جلده المترهل .. والتي تحكي أنه كان هناك رجل فخم ضخم ..
لقطت أنفاسي وأنا أنفك منه .. لم يكن لدي وقت أن أسمح لنفسي بان أتصور أنه الآخر قد ينظر إلي بنفس المنظار.
وسط ذهولي وصدمتي أخذت أبحث عن كلمة مجاملة .. كلمات لامعة وضيئة .. كلمعة ملابسه الأنيقة .. ووضاءة وجهه الجميل أيام زمان ..
ربما كان أمس .. ربما كان قبل شهر .. ربما كان قبل عام .. قبل عشرة .. قبل عشرين .. ثلاثين ماالفرق ؟!!
الصورتين في ذهني ترفض الزمن .. وترفض الظروف .. وترفض المتغيرات ..
لم يعد في ذهني لحظتها إلا صورتين متناقضتين .. الشباب والشيخوخة .. الديار والأطلال .. الحياة والممات .. لا شئ فوقها ولا شئ تحتها .. وإن كان هناك شئ جوارها فهو ما تبقى من معالم القرية النابضة بالحياة يوما ما .. التي كان بأقدامه الواثقة الخطى وقامته المديدة في زهو الشباب والرجولة .. يذرعها جيئة وذهابا ولا أحد يكيّفه !! .. قادم من السفر بملابس بيضاء لامعة .. لا تتسخ .. ووجهه الوسيم يبرق لمعانا لحلقه فورا .. ربما في اليوم مرة أو مرتين !
أعينوني أيها السادة للخروج من هذا المأزق ..
الحصن .. بير العارض .. .. السرداب الذي تسكنه العقارب والحيات .. المسجد .. دور وطرق وعوايد القرية المهجورة والموحشة والتي تحكي أنه ربما مر من هنا وسكن وعاش بشر لهم آمال وطموحات .. نجاحات وإخفاقات .. خصوم وأصدقاء ..
و... و... وصديقي...
لم يعد من صديق الفتوة والشباب إلا صوته المبحوح والتي تزيده البحة جمالا إلى جمال عباراته وخفة دمه ورومانسيته ..
ياآآه .. رومانسيته !!
صحوت الآن ..
أي حلم كاذب نعيشه في هذه الحياة ..
أي متاع كالسراب نحياه..
أي خدعة..
أي غفلة ..
صحوت الآن ..
لبثنا يوما أو بعض يوم ..
وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ..
صحوت الآن ..
كلنا رومانسيين .. نتلقى الصفعة تلو الصفعة ومازلنا نحبها نعشقها .. نموت فيها .. أخذتنا من أنفسنا .. ربما من أهلنا .. وربما ..
ولاّ بلاش البعض سيلوي بوزه وهو أكثر العشاق بل أكثر المسروقين !!
لا .. سأقولها ..
سرقتنا الدنيا وعشقها من أخلاقنا ..
من ديننا ..
وذلك هو الخسران المبين .
وعدت لأحضن صديقي .. بأمان وإيمان ..
ويدي اليمنى مازلت في قبضته .. وأخذت بيدي اليسرى أعبث بلحيته .. وأقبلها .؛
من تجاعيد وجهه رأيت إشراقات .. وإضاءات .. تنفذ إلى القلب ..
وأخذت أردد ..
أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ..
الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه..
ذهب الشباب وصبوته .. وبقي المشيب ووو
ياآآآه ..أيها الحبيب ..
أخصرهم ..
دعنا نهرب إلى المسجد .. حتى لا يتغامز القوم وأنا أحكي لهم لهو الصبا .. وطغيان الشهوة..!!
ودخلنا المسجد .. والمؤذن يردد لا إله إلا الله .. دخلت وصديقي إلى المسجد مرددين خلف المؤذن لا إله إلا الله .. اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته ، رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا ..
دخلت بخشوع .. تاركا ورائي قصة حياة ، تفرح وتحزن .. تبكي وتضحك .. سأكتمها داخل صدري مرددا لصاحبي وصديقي ..
وما على التراب تراب ..
وإذا أحب الله عبدا ( طال عمره وحسن عمله ).
وتخيلت نفسي فوق ( العزورة ) أو في أعلى الحصن وأن علي أن أقول شيئا ..
أيها العشاق ..
انتبهوا لأنفسكم .. الدنيا غرارة !!
الدنيا غرارة !!
الدنيا غرارة !!
واخصروهم ..!!