الحلقة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .. وعلى آله وأصحابه ومن استن بسنته إلى يوم الدين ..
لاحول ولا قوة إلا بالله .. إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي الرب سبحانه ..
فقدت القرية في الأشهر الأخيرة عددا من الرجال الذين نكن لهم كل حب واحترام في حياتهم ونسأل الله لهم بعد وفاتهم الرحمة والغفران ..
وبرحيل الرجل والإنسان أحمد التسيفار رحمه الله رحمة واسعة ، أوشك أن ينتهي جيل من الرجال المميزين من أهالي القرية ..
صحيح أنهم ليسوا من الساسة أوالفنانين أو الأدباء أو المفكرين المعروفين والمشهورين .. لكنهم في نظري أفضل منهم وبالطبع أقل من علماء الشريعة والدعاة إلى الله والمجاهدين ..
فالفئة الأولي الغالب عليها ..
- زيادة وتغذية مساحة الشبهات والشهوات ..
- تعبيد الإنسان لهواه ..
والثانية ..
- البناء الأخلاقي والإنساني ..
- تعبيد الإنسان لربه وخالقه .
وممن يُعرض لهم اليوم ـ من رجال القرية ـ ومن خلالهم لبعض أحوال وظروف القرية خلال الخمسين عاما الماضية أناس عاديين ملئوا المساحة الاجتماعية التي شغلوها باقتدار الإنسان المسلم المتكل على ربه .. ومنهم بفضل الله الداعية .
ويعتبرون بحق ممن عاصروا وشاركوا في التحولات الضخمة والنقلات العملاقة للقرية من (الحطب والخشيب وكسا الحده والهتله) إلى البوتاجاز والسخانة والمكيفات والكنبات والمجالس والصالونات متعددة الفرش والرياش .. ومن ( الفتيلة ولمبة القاز) إلي لمبة الفرولسنت ومختلف أنواع النجف ومن ( اقتلاع وتكسير الصفيان وقطع الأشجار وأغصانها لزوم البناء من تخوم العقبة والجبال المحيطة ونقلها على الجمال وأحيانا على الأعناق ) إلي بمبة الأسمنت وأشكال الديكورات المتعددة .. ومن ( القطران ) إلى البوية المعتق .. ومن ( حبيش والكتنيه ) إلي الميكنة في مختلف الخدمات ، ومنها الفورد والجمس واللاندكروزر واللكزس .. وإلى آخر ما هنالك مما لا يخفى على الجميع .
ويبقى ما يقال هنا رأيا شخصيا فيهم .. ربما لا يروق لآخرين خصوصا ممن تعود على نقد غيرهم وانتقاصهم أحياءً وأمواتا ( وهم في الخلق وتحديدا في القبيلة كثير ) ؛ وسيكون من المفيد إضافة أية معلومة لما يطرح هنا أو الاستدراك خصوصا ممن عاصر أو سمع عن تلك الفترة ؛ إذا عُلِم أن ما يطرح من ذاكرة بدأت تشيخ ؛ مع الأخذ في الاعتبار أن ما يكتب هنا لا يعتبر تاريخا وإنما هي مجرد خواطر وكما يشير العنوان ( أطياف ) والطلب الوحيد من الأحبة الذين يحسنون الظن بهذه الخواطر وكاتبها ويٌُقبلون على قراءتها..
- المزيد من حسن الظن وسعة الصدر ..
- عدم تحميل العبارات والمواقف أكثر مما تحتمل .. ذلك أن الدافع لكتابتها..(حب القرية ومعالمها وأهلها) والمنتدى من أهم الساحات لممارسة هذا الحب والعشق .
- إيصال رسالة تحدي لأعضاء ومرتادي المنتدى وهم في الأغلب من الشباب .. بأن لدى الشيبان ليس فقط ما يمكن قوله .. بل وامتلاك بعض الأدوات المعينة لما يقولون رغم قساوة الحياة التي عاشوها وانعدام الفرص الهائلة التي بين أيدي الشباب ومنها هذا المنتدى .
- وسيله من وسائل التحريض والتحفيز لهم - أعني الشباب - للعطاء المتميز وبدون شك ففيهم مواهب تستحق المتابعة و الاحترام ولها مستقبل واعد ؛ وكمجرب لا مستقبل واعد حقا إلا في القراءة والكتابة في الدين وللدين .
أعود لأقول ..
تشعر وأنت ترى لأول وهلة أحد أولئك الرجال عن بعد .. أنك مقبل على رجل مجهول وإن شئت قلت عالم مجهول .. شخص متكبر .. متعجرف .. تصادمي .. مقبول .. مألوف .. ودود .
ولكنك سرعان ما تجد نفسك وتلك الابتسامة الغامضة التي يقابلك بها - وهي القاسم المشترك الأهم بين المجموعه - قد أصبحت أمام إنسان ليس متكبرا ولا متعجرفا ولا تصادميا قطعا .. لكن غموض ابتسامته يجعله بين القبول والألفة ..
ومع بدء التحية والسؤال عن الأحوال .. تتبدى شخصيته الطيبة الأليفة .. التي تدلف إلى القلب لتزرع الأمان والمحبة والثقة وتشعر معها بأن كل الفوارق .. السن .. ضخامة الجسم ..فخامة العبارة والأسلوب.. قد أصبحت أحد لوازم هذه الشخصية المميزة القريبة إلى القلب بطيبتها وإنسانيتها .
وقبل أن يأتي القلم على ذكر شيء عن بعض من انتقل إلى جوار ربه .. دعونا أيها الأحبة نمتع الأحاسيس والوجدان بذكر رجال مازالوا بيننا .. أمد الله في أعمارهم .. يعن الله بن هاجر .. حاسن بن زنان .. صالح بن غرامه بن حسين ، ويقف القلم طويلا .. وطويلا جدا وبقدر ما تسمح به المساحة المخصصة لهذا اليوم أمام حاسن بن زنان هذا الرجل الذي كان فالدهايم .. يوثانت ..كوفي عنان.. بان كي مون..كان كل أولئك بل أهم منهم لكل أبنوي وأبنوية ؛ ذلك أن القوم وهم مسئولون عن السلم والأمن في العالم ..كانوا ومازالوا مسوقي شعارات وعرابي أطماع دول الاستكبار والهيمنة والاستغلال .
كان حاسن بن زنان مرسول سلام وطمأنينة ، وبلغة المحبين يمكن أن تقول مرسول الحب .. وكان مفتاح كل ذلك ابتسامته !!
ذلك أنه كان يحرك مشاعر الأهالي أسبوعيا سواء المقيمين بالقرية .. أوالمغتربين عبر رحلة مكوكية بين جدة والقرية بسيارة لوري خمسة طن كانت الرحلة في البداية تستغرق ثلاثة أيام ..
تناقصت مع كثرة استخدام الطريق إلى أن وصلت إلى يوم كامل عبر طريق وعر محفوف بالمخاطر وغير مسفلت .. يحمل للمقيمين من المغتربين ما يحتاجونه من مستلزمات مادية وعينية تستقبل بحفاوة المحتاج المتلهف .. وينقل إلى المغتربين مطالب المقيمين .. وإلى الطرفين أخبار وأحوال كل طرف .. وما من بيت أو شخص إلا ومشاعره مع حاسن بن زنان يحمل إليه أومنه خبرا أو رسالة أو عطاءً .. وأصبح للقرية يومين مشحونة بمشاعر مرارة وداع المسافرين .. وفرحة استقبال العائدين
بطل هذه الملحمة الرجل والإنسان حاسن بن زنان ..
كثروا بعدها بسنوات ( الزنانين ) .. لكن يظل حاسن بن زنان بابتسامته الغامضة وخلقه الرفيع وأمانته العالية وكصاحب المبادرة نسيج وحده 0
محمد الخثعمي ..أحمد التسيفار.. محمد بن سالم ..جمعان بن شعيران .. سعيد بن ذهبه .. محمد بن ملحان .. سعيد عبد الله غرامة ـ رحمهم الله جميعا رحمة واسعة ـ وإن شئت زدت في القائمة لكن خشية الإملال ، وقد يكون في ذلك تجاوز غير مقبول لأدبيات وتوازنات معينة قد لا تخفى ..!!
شخصيات تتميز بأن لها دور مؤثر بالقرية ويظل دور الشيخين محمد الخثعمي ومحمد بن ملحان الأكثر حضورا وتأثيرا ..
والجميع يتميز بتلك الابتسامة الغامضة إلى جانب بسطة في الطول والجسم فيما عدى سعيد بن عبد الله ابن غرامه المتوسط الطول والجسم لكنه يقتحم عالمك بضخامة وفخامة العبارة .. حتى أنك لا تستشعر وتستحضر وأنت تتحدث إليه فخامة وضخامة والده رحمه الله فحسب بل يضع بينك وبينه حاجز يفرض عليك التعامل مع شخصه بشيء من الرفق وإن شئت الحذر ..
أذكر أنني قلت له في معرض خلاف بينه وبين أبناء عمومة له .. معاتبا ( إيش بكم ياخوالي ماتقرّون ؟؟!!)
فحدجني بنظرة مغضبة وقال .. ( خلك يا ولد الهروج أخوالك كما سنون المنشار مختلفة والقطع واحد ) .. أو هكذا فهمت العبارة .. وكان جوابي حاضرا لولا خشية صكعة بالصنجة التي كان يحملها .. أوعبارة أضخم وأفخم وأوجع منها ..
على أن من مبادراته التي تحسب له أنه أول شخص يكلف كمندوب لإدارة مكتب للبريد له صلة وإشراف مباشر بوزارة البرق وقتها .. إضافة إلى أنه من أوائل الجماعة في فتح متجر ببلجرشي وكان من المواقع المعتبرة ، ولومد الله في عمره لرأيناه اليوم من كبار رجال الأعمال في المنطقة خصوصا وهو من عشاق التحدي .. وقديستكمل الحديث تاليا عن أبي عبد الله .
يذكرنا بذلك وبكل أؤلئك النفر من ودعناه قبل أشهر الرجل والإنسان أحمد التسيفار سائلين للأحياء موفور الصحة وطول العمر في طاعته .. وأبومحمد والمتوفين منهم الرحمة والغفران .