وكان جيلا نادرا من الرجال أسهم كل منهم بدور مميز بمجتمعه الصغير الأبناء ، وكان رائدا فيما قدمه من جهد بقصد أو بدون قصد لكنه اخترق بجهده المألوف والمعتاد .. ماجعله يغير في المعادلة الاجتماعية المعتادة .
كما أنهم ليسوا الوحيدين الجديرين بالحديث عنهم .. فالقرية غنية بالرجال .. وغنية بالأقلام القادرة على الحديث عن كل أحد ، وهي محاولة لا غرابة إن سبقتها أو لحقتها مثلها وأجود .. كما أنه لا يجب سحبها من سياقها وهو الحديث أصلا عن أحوال القرية في حقبة الفاقة والشقا والمعاناة .
ولأن حديثنا عن التسيفار فإن أول ما يسجل للرجل وقبل مايزيد على الربع قرن مد العديد من بيوت القرية بشبكة المياه ولأول مرة حيث يتم تغذيتها من ( بير العارض ) مباشرة بواسطة ماطور سطحي يتم به دفع المياه عبر شبكة تصل البيوت مباشرة وبمقابل مقبول ومعقول .
وكانت بداية موفقة لمحاولات أخرى ؛ أذكر منها محاولة المرحوم بإذن الله علي بن جميع .. وصولا للشبكة الحكومية الحالية التي غطت كامل القرية ..
على أن مبادرة أبو محمد الجريئة هذه تأتي تتويجا لمحاولات لا تقل عنها جرأة سنأتي عليها عند استعراضنا لجهود بعض ممن سنتحدث عنهم تاليا .
ولعل الكثير من المعاصرين يعرف أنه أول من أقام عمارة سكنيه على الشارع العام المتجه للعقبة والمطلة على ( الغيرة ) جهة الحمران بغرض الاستثمار ( مازالت قائمه حتى الآن ) .. مما كان مثار استغراب الكثير من الأهالي ودهشتهم من الإقدام على مثل هذه المغامرة .. إذ كيف لأحد أن يسكن بالإيجار بالقرية من أهل القرية أولا .. فقد كان ذلك عيبا وفشيلة .. ثم كيف يسمح لأحد من خارج القرية أن يستأجر ويسكن بالقرية وهذه لا تقل عن سابقتها عيبا وفشيلة .. لكن ومع مرور الأيام وتطور الأحوال أكد الرجل أنه كان مستقرئا جيدا لأحوال وتحولات وحراك المجتمع ، حتى أنني شخصيا كنت من المستغربين والمندهشين .. ولاحقا ممن تمنيت أن أجد عنده فرصة للسكن !!
وفي ظني أن أبو غرامة محمد بن سالم رحمه الله لوكان جذعا عند بناء العمارة وعلم عن فكرة بناءها .. ولما عُرف به من غيرة على التقاليد والعادات لأقام القرية وأقعدها ، ومن الذي لا يسمع ويحترم رأي محمد بن سالم (ملح كل مناسبة) .. بيده وبقدحه وإن شئت استبدال القدح ( بجيبه ) بلغة العصر فقد أصبت الحقيقة ، تجده بمسحاته عند كل ( طينة ) .. وأول من يبدأ بحفر قبر الميت .. بعد أن يكون قد شارك أهل الميت أغلب فترات تمريضه إن كان من الأقارب أو الجيران .. وأكثر الناس ترددا للزيارة إن كان من طرف الدار .
يزهو كل بيت في القرية في العيد بمرور محمد بن سالم مسلما ومعايدا ومباركا .. ومن هو البيت الذي لا يمر به هذا الرجل كريم الخلق وكريم المواقف .
وباختصار محمد بن سالم يمثل الرجل الأبنوي طيب القلب ، نقي السريرة ، الشهم والكريم ، الواصل للرحم ، الذي يعفو عن المخطئ ويلتمس له العذر ، يشكر المحسن ويثني عليه ويعينه ، وبالتالي فلم يسجل له أو عليه خصومة مع أحد وباعتراف كافة الأهالي في ذلك الزمان وإلى عهد قريب .
يأتي حديثنا عن بن سالم للتدليل على أن الصفات الحميدة لها التأثير في قلوب الناس في مقابل كثير من الأفراد ـ في كل المجتمعات ـ يخشاهم الناس ويهابونهم ويخافونهم اتقاء كبرهم وبطشهم وظلمهم وفحشهم وطغيانهم ، وبالتالي توظيف ما وهبهم الله من بسطة في الجسم أوعشيرة كبيرة لتحقيق بعض الأهداف الصغيرة والمغرقة في الأنانية .. حتى لو أدى ذلك إلى خلافات وارتكاب حماقات وخصومات كبيرة .. استجابه لروح العصبية ، استنادا إلى قول شاعرهم ..
( وما أنا إلا من غزية إن غوت .... غويت وإن ترشد غزية أرشد )
وتبعا لانتكاس المفاهيم تُخلع على مثل هكذا أشخاص ألقاب البطولة والشجاعة اتقاء فحشهم وظلمهم وفجورهم في الخصومة ..
ولعل الأخ (الغريب ) وقد طرح في مداخلة لحلقة من الجزء الأول اقتراحا للكتابة عن الشجاعة .. لو عرض كلما سمعه من أخبار الشجاعة والشجعان على المقياس أعلاه إضافة إلى البطولات النادرة التي صاحبت حادثتي [ (هجة) خالد .. و(شفقة) هزاع ] لوجد إجابة وافية !!
وبرغم مرور السنين مازالت لبن سالم سَوءة في ذهن الفتى وخياله ، ستبقى ولها مذاقها الخاص .. ذلك أن الرجل وبطوله الفارع كان ذات يوم يقف شامخا كحصن متحرك رافعا صوته بكلام لا يفهمه وفي يده نصل جنبية على جباهه يبلغ طولها أكثر من مترين وربما زاد وزنها عن طنين محمولة على أعناق رجال القرية من مكان أبعد من منزل العريفة الآن .. وسَوءة الرجل تتمثل في أن أعناق الرجال تكاد تدق من وطأت الحمل وهو يصرخ في هذا تارة .. وأخرى يردد أهازيج غير مفهومة للفتى .. ومرة يضحك وأخرى يحمر وجهه وتنتفخ أوداجه حتى لتكاد تشفق عليه ، وكل ذلك لم يكن يعني الفتى بقدر ما كان يعنيه أنانية الرجل ، ففي الوقت الذي تدق فيه رقاب الرجال تحت وطأة ثقل حمل الجباهة وهو يكمل الناقص بالوقوف عليها ـ محمولا هو الآخرـ يمارس تهريجا ليس ملائما 0
ومما زاد الفتى حيرة أن الكثير من الرجال ـ بعد نهاية الملحمة ـ ومنهم المخدوش وأغلبهم متعب ومرهق يسلمون على الرجل ويشكرون له موقفه .. وكأنه الذي قام بأداء المهمة .. وبدأ الفتى يغرق في سيل من الأسئلة .
وكانت هناك إجابة مانعة قاطعة وهي أن الرجل كان قائد الفريق وأن ماكان يردده نوعا من الأناشيد الحماسية للفريق وأن احمرار وجهه وتغيره وصراخه كلما أحس بأن فريق العمل في خطر يستوجب تصحيح المسار خصوصا والذين يحملون هذا العبء يزيدون عن الخمسين شخصا كل ثلاثة أو أكثر من الرجال من طرف عود ومثلهم من الطرف الآخر ، حيث ربطت الجباهة أو العتبة بأعواد طويلة من العرعر بحرفية ومهنية مميزة بحيث يتوزع الحمل على المشاركين .. ولاشك أن خطرا محدقا بأحدهم أو بكل الفريق لوحدث أي خلل أثناء النقل ، وبالقيادة الواعية والمسئولة والحازمة يمكن تجاوز الخطر والوصول بالمهمة إلى بر الأمان بعد قطع مسافة بضعة كيلو مترات عبر طرق وعرة وضيقة وخصوصا عندما يتم المرور وذاك حتمي عبر مرتفع أو منحدرجبلي وطرقات ومسارب القرية وصولا لمقر المبنى الذي ستوضع الجباهة على عتبته .. وتلك قصة أخرى !!