2009/02/27

اطياف من قريتي 4

ارتج شعب النعيم
وارتج وادي الغدى
وارتج قصر المربع
والبحور أرجفت

سامحوني ..
أعرف جيدا أن الشمس والقمر آيتين من آيات الله عز وجل ومخلوقاته .. لايتم الخسوف أو الكسوف لأيَّاً منهما لولادة أو موت أحد من الخلق كائن من كان ..
لكن ..
لم أجد ما يصور هول الحدث غير هذه الآبيات المقولة والمعدلة بما يناسب الجغرافيا والحدث ..
المصاب كبير ..
والجرح عميق ..
والقلب حزين ..
ولايقال في مثل هذه المناسبات إلا ما يرضي الرب .. الحمد لله وإنا لله وإنا إليه راجعون ..
مات محمد بن معيض الخثعمي ؛
أصيبت قريتي وساكنيها بحزن رهيب وشعور بفقد رجل أعاد صياغة الحياة عقيدة وسلوكا على نحو عجيب ومدهش بين قوم شديدي التمسك بعاداتهم وتقاليدهم .
مات محمد الخثعمي ..
ذلك الوجه الوضيء البريء ..
الذي يشع نقاءً .. وحبا لمن حوله .. خصومه قبل محبيه .. مردداً ما قاله سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم قبل ألف وثلاث مائة وستين عاما (اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون)
مات محمد الخثعمي ..
بعد حياة حافلة كما يحياها المصلحون في مجتمعاتهم وأممهم ..يكثر خصومهم ، وكارهيهم .. ومطارديهم ..
ورويدا ..
رويدا ..
رويدا .. ومع انجلاء الحق ..
يتحول الخصوم إلى أنصار .. والكارهين إلى محبين .. والمطاردين إلى قيادات وموجهي مجتمعاتهم .. فالكل يحب الله .. ويحب ما عنده من خير وفي مقدمته الجنة .
وهكذا كان محمد الخثعمي .. في البدء ..
خصما للكل .. مكروها من الكل .. ومطاردا من الكل ..
فقط لأنه يدعو إلى الله والدار الآخرة ..
فقط لأنه يدعو إلى مكارم الأخلاق ..التي جاء بها سيد ولد ادم عليه وعلى آله ومن استن بسنته إلى يوم الدين أفضل صلات وتسليم ..
قُذف ..وأوذي في نفسه وأهله وعرضه ..
ورمي بيته في جنح الليل بالحجارة ..
وأوذي في مزارعه ..
يا للهول ..
وقائع وأحداث وحوادث .. لا يصبر عليها إلا الأفذاذ من الرجال ..
ومنهم الرجال..؟؟
سوى المصلحين .. والدعاة إلى الله .. والمجاهدين في سبيله .
مات محمد الخثعمي ..
ذاك الوجه النقي .. الوضيء.. بعد أن أعاد القرية وأهلها إلى الطريق الحق .. طريق العزة والكرامة والرفعة .
(نحن قوم أعزنا الله بالإسلام .. ومهما ابتغينا العزة في غيره أ ذلنا الله )

دعونا من العواطف .. والدموع فقد سكب منها الكثير ، كما يسكب منها عند كل فقيد .. وتعالوا نواصل تلمس بعض أحداث ووقائع القرية من خلال استعراضنا لبعض من حياة هذا الرجل ..

وتعود بنا الذاكرة ونحن نقف أمام (بركة) محمد الخثعمي رحمه الله أول محاولات تطوير السقيا بالقرية والباقي أثرها حتى الآن في (الخرقى ) بقرب مسجد القرية الحديث .. وقد أصاب القرية هرج ومرج ـ قبل نصف قرن تقريبا ـ بين مؤيد ومعارض لفكرة الخثعمي رحمه الله من إقامته لهذه البركة التي يملأها بالماء .. ثم وبالمجان احتسابا للأجر وعبر أنبوب منها يتم تعبئة (القرب) ، وفيما بعد صفائح معدنية تحمل كميه ماء يقرب مما تحمله القربة أي ما يزيد عن خمسة وعشرين لتر من الماء ؛ بدلا من معاناة نزع المياه من الآبار مباشرة بواسطة الدلاء من عمق يزيد أحيانا عن عشرين مترا مع ما في ذلك من مشقة ومعاناة لنساء ذلك الزمان القائمات والمسئولات عن هذه المهمة .. وكم من امرأة سقطت في البئر جراء هذه المهمة وماتت .

مما جعل فكرة الخثعمي ثورة على المألوف لجملة من الأسباب يأتي منها مجانية العمل .. ليس لغرابة المجانية فمعروف عن أهل القرية التعاون والشهامة والمرؤة وكرم الضيافة غير أن فكرة الخثعمي تحتاج لمجهود غير عادي ومستمر .. والبديل موجود وهو جهد المرأة باعتبارها أحد المهام الملزمة بها اجتماعيا .. ما قد يفضي بالفكرة في حال نجاحها إلى كارثة وهي تدليل النساء .

وبالفعل نجحت الفكرة وكانت محط أعجاب الأهالي وأحد أسباب قبولهم ومحبتهم للخثعمي ودعوته الإصلاحية .. على أن هذه الفكرة ليست وحدها التي أثارت جدلا .. بل إن جهود الشيخ رحمه الله في إدخال محاصيل زراعية جديدة على القرية كالرمان والجزر والبطاطس كانت هي الأخرى مثار جدل وتندر ونتيجة لنجاح الفكرة أصبحت فيما بعد أهم عوائد العديد من الأهالي الذين أقبلوا عليها بحماس .

على أن جهود الشيخ في الدعوة إلى الله مع عدد من الأخيار نحسبهم كذلك والله حسيبهم ، وفي مقدمتهم الشيخ محمد بن ملحان الذي كان صاحب جهد مميز فيما بعد وفاة الشيخ الخثعمي في المطالبة بالمدرستين الابتدائية للأولاد والبنات ..كبديل عن المدرسة السلفية التي كان يشرف عليها الشيخ الخثعمي كما كان صاحب رأي وشخصية قوية تتضاءل أمامه كثيرا من القامات عند المواقف الحاسمة ولعل المرحوم بإذن الله سعيد بن ذهبة وكما هو معروف عن غيرة الأقران وكماهي عادة الرجال الذين يحفظون لأمثالهم القدر عندما قال بعد وفاة ابن ملحان فقدنا اليوم هرم القرية والله ماكنت أحاربه إلا غيرة منه .. ولعلني في أطياف سابقه أ شرت إلي إجابة الشيخ عساف الخولاني رحمه الله عندما سأ لته لماذا تركت العرافة فأجابني بما معناه أنني خسرت بوفاة بن ملحان الرأي والمشورة والرجل ..كما أنني شخصيا كتبت في جريدة المدينة بتاريخ 24/7/1398هـ كلمة أعتز بها في عزاء الفقيد ..

وبالجملة فإن جهود الشيخين رحمهما الله وعلى وجه الخصوص جهود الخثعمي بأعتباره العالم والموجه قد قلبت حال المجتمع بالقرية وكسر النمطية المعتادة .. وقطعا إلى الأفضل والأحسن والأقرب إلى الله وسنة نبيه عليه وعلى آله وأصحابه ومن استن بسنته إلى يوم الدين أفضل الصلوات والتسليم .
والحديث عن الشيخ الخثعمي ودعوته الإصلاحية هو نفس الحديث عن أي شخصية إصلاحية من حيث الأسلوب والعقبات والمتاعب والمعاناة وأخيرا النجاح ..

ومن فضل الله على الرجل وعلى أهالي القرية توفر شروط الداعية في الخثعمي علما وعملا .. والخيرية في أهالي القرية الذين ناصبوه العداء وأوذي في نفسه بتعرضه للإهانة والمقاطعة وفي ماله بإفساد بعض مزارعه .. وقذف منزله بالحجارة .. وماهي إلا سنوات وتحول العداء إلي حب وإعجاب وتقدير وقبول للنصح والتوجيه .. وتجلى حب الرجل وتقديره حال مرضه .. وكان يوم وفاته يوم حزن وصدمة للكبار والصغار ذكورا وإناثا من أهالي قريته وممن عرفه.. وهم خلق كثير من القرى الأخرى وعلى وجه الخصوص العاملين في مجال الدعوة .. ربما نقلت لنا المقدمة جزءا من الصورة ..

ولعل من المفيد هنا الإشارة إلى أن الرجل قد تلقي العلم منذ صغره وصابر وواصل المشوار بحماس أفتقده رفقة الطفولة وهم سعيد حامد الشول .. علي أبن إبراهيم .. سعد ابن سعيد مطره .. سالم بن عبد الله ال سالم .. رحم الله الأموات وأحسن الخاتمة لنا وللأحياء منهم .
حيث شكلوا أول مجموعه علي مستوي القرية لطلب العلم علي يد شيخ أسمه بن عياش من قرية الفرح يقول الراوي أن كل من عبد الله بن سالم جد فروان أبن حامد وإخوانه , وعبدالله أحمد (عبود) ، وأحمد بن سالم وإخوانه ،
وصديقه وجاره سعيد بن مطره جد سعيد أحمد مطره ( عريفة المساعد ) وإخوانه ، وأحمد عبد الله مطره وإخوانه ، وعبد العزيز صالح مطره وإخوانه ، وأبو توفيق وإخوانه .. أحضرا الرجل بغرض تعليم أبناء القرية القرآن والعلوم الدينية الأخرى والذي حل في بيت لافي بن عجب رحمه الله والد كل من عبدالله وعلي بن لافي بن عجب القريب من الحصن .. حيث أعطي احتسابا للشيخ بن عياش مقرا للسكن مع زوجته وواحدة من بناته وفي نفس الوقت مقر (الكتاب ) الذي التحق به الأسماء أعلاه وربما سقط أسم أو أسمين ويمكن عن طريق الشيخ سعيد الشول تأكيد هذه المعلومة والإضافة إليها 0

علي أن الشيخ الخثعمي وربما لم يشبع نهمه للعلم الشيخ بن عياش أنتقل بعد مايقرب من العام وحفظ أكثر من جزء من القرآن إلى الحمران ومعه سعيد حامد الشول (عريفة الحسب ) .. وعلي ابن إبراهيم جد الشهيد بأذن الله لأمه علي جعري .. وأضيف لهم من خارج السرب أحمد ابن عسله (عريفة الريع ) ..
والمتتبع لحياة الرجل سيجد ولاشك محطات كثيرة أثرت حياته العلمية 0

وباختصار فإن الحديث عن الرجل ودعوته الإصلاحية حديث يفوق قدراتي وحجم قلمي .
ولعل الله أن يقيض من يكتب عنه مايستحقه .. ولعل ما تعيشه القرية من خيرية أهلها - قرباً إلى السنة - منذ دعوته وحتى الآن خير ما يكتب للرجل وعنه .. وخير دليل على بركة جهوده وخيريته .. رحمه الله .

!!