2009/02/27

اطياف من قريتي 7

أخصروه .. !!
شاهدته بعد انقطاع أكثر من عشرين عاما بلحية كثة ..
وكنت لحظتها أنظر وأتأمل في الحصن الذي يتوسط القرية وقد انهار ثلثيه الأعلى ، والصحيح شُطر ؛ كأنما تم ذلك بسكين احترافية كتلك التي بنته كبرج مراقبة لرصد الداخلين إلى القرية من غير أهلها وللطوارئ ***ن للأهالي أيام الحروب حيث يمتد سرداب من ( قعره ) لمسافة تقرب من اثنين كيلو متر إلى ( بير العارض ) لضمان حياة من بالحصن ، ويعود سبب شطره لحاجة حجارته لاستكمال بناء مسجد القرية وكـأنما هذا الهرم صنم من تمر .. جاع عابده وأخذ يأكله ..
ونحيل عشاق التاريخ للتأكد من رواية تقول أن حجرا أُخِذ من الحصن وبه تاريخ بناءه وتحديدا عام 200هـ واستخدم كجباهة لمدخل العزورة (المنارة) للمسجد القديم ..
فركت عيني وأنا أشاهده ( أعني صاحبي ) وقفت مبهورا أمام شخص آخر.. تماما كأنه لتوه قادم من مغارة مجهولة محتقنة بالهواء الساخن والجاف وبالغبار والدخان .. لم يعد سوى بقايا ملامح ..
صورة مشوهة..
بقايا إنسان عرفته.
كدت وأنا أحضنه بشوق .. أن أنفك منه وأهرب .. ذلك أنه لم يعد سوى كتلة من العظام أكاد أشمها.. وتداخلت الصور في ذهني وتعددت ..
(بقايا صاحبي ـ الحصن المنهار ـ السرداب وقد أصبح سكنا للثعابين والحيات والعقارب ـ بير العارض التي فقدت أيام عزها ـ والمسجد المهجور)
أخافني ..!!
شعرت أنه بإمكاني أن أمشي بقدمي بين تجاعيد وجهه .. وأن أسكن آمناً بين لحيته الكثة رغم هول منظرها الأشيب مقارنه بما كان .. وأتلحف ببقايا جلده المترهل .. والتي تحكي أنه كان هناك رجل فخم ضخم ..
لقطت أنفاسي وأنا أنفك منه .. لم يكن لدي وقت أن أسمح لنفسي بان أتصور أنه الآخر قد ينظر إلي بنفس المنظار.
وسط ذهولي وصدمتي أخذت أبحث عن كلمة مجاملة .. كلمات لامعة وضيئة .. كلمعة ملابسه الأنيقة .. ووضاءة وجهه الجميل أيام زمان ..
ربما كان أمس .. ربما كان قبل شهر .. ربما كان قبل عام .. قبل عشرة .. قبل عشرين .. ثلاثين ماالفرق ؟!!
الصورتين في ذهني ترفض الزمن .. وترفض الظروف .. وترفض المتغيرات ..

لم يعد في ذهني لحظتها إلا صورتين متناقضتين .. الشباب والشيخوخة .. الديار والأطلال .. الحياة والممات .. لا شئ فوقها ولا شئ تحتها .. وإن كان هناك شئ جوارها فهو ما تبقى من معالم القرية النابضة بالحياة يوما ما .. التي كان بأقدامه الواثقة الخطى وقامته المديدة في زهو الشباب والرجولة .. يذرعها جيئة وذهابا ولا أحد يكيّفه !! .. قادم من السفر بملابس بيضاء لامعة .. لا تتسخ .. ووجهه الوسيم يبرق لمعانا لحلقه فورا .. ربما في اليوم مرة أو مرتين !

أعينوني أيها السادة للخروج من هذا المأزق ..
الحصن .. بير العارض .. .. السرداب الذي تسكنه العقارب والحيات .. المسجد .. دور وطرق وعوايد القرية المهجورة والموحشة والتي تحكي أنه ربما مر من هنا وسكن وعاش بشر لهم آمال وطموحات .. نجاحات وإخفاقات .. خصوم وأصدقاء ..
و... و... وصديقي...
لم يعد من صديق الفتوة والشباب إلا صوته المبحوح والتي تزيده البحة جمالا إلى جمال عباراته وخفة دمه ورومانسيته ..

ياآآه .. رومانسيته !!
صحوت الآن ..
أي حلم كاذب نعيشه في هذه الحياة ..
أي متاع كالسراب نحياه..
أي خدعة..
أي غفلة ..
صحوت الآن ..
لبثنا يوما أو بعض يوم ..
وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ..
صحوت الآن ..
كلنا رومانسيين .. نتلقى الصفعة تلو الصفعة ومازلنا نحبها نعشقها .. نموت فيها .. أخذتنا من أنفسنا .. ربما من أهلنا .. وربما ..
ولاّ بلاش البعض سيلوي بوزه وهو أكثر العشاق بل أكثر المسروقين !!
لا .. سأقولها ..
سرقتنا الدنيا وعشقها من أخلاقنا ..
من ديننا ..
وذلك هو الخسران المبين .
وعدت لأحضن صديقي .. بأمان وإيمان ..
ويدي اليمنى مازلت في قبضته .. وأخذت بيدي اليسرى أعبث بلحيته .. وأقبلها .؛
من تجاعيد وجهه رأيت إشراقات .. وإضاءات .. تنفذ إلى القلب ..
وأخذت أردد ..
أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ..
الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه..
ذهب الشباب وصبوته .. وبقي المشيب ووو

ياآآآه ..أيها الحبيب ..

أخصرهم ..
دعنا نهرب إلى المسجد .. حتى لا يتغامز القوم وأنا أحكي لهم لهو الصبا .. وطغيان الشهوة..!!

ودخلنا المسجد .. والمؤذن يردد لا إله إلا الله .. دخلت وصديقي إلى المسجد مرددين خلف المؤذن لا إله إلا الله .. اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته ، رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا ..

دخلت بخشوع .. تاركا ورائي قصة حياة ، تفرح وتحزن .. تبكي وتضحك .. سأكتمها داخل صدري مرددا لصاحبي وصديقي ..

وما على التراب تراب ..
وإذا أحب الله عبدا ( طال عمره وحسن عمله ).
وتخيلت نفسي فوق ( العزورة ) أو في أعلى الحصن وأن علي أن أقول شيئا ..
أيها العشاق ..
انتبهوا لأنفسكم .. الدنيا غرارة !!
الدنيا غرارة !!
الدنيا غرارة !!

واخصروهم ..!!

اطياف من قريتي 6

هيـَّ..يه يا جماعة حيلوا عنا ..
( الجمل قصع الجرة ) ..

ووقع الخبر كالصاعقة على جموع الناس رجالا ونساء صغارا وكبارا .. وأخذ كل واحد ينظر بأسى إلى من حوله مرة .. وأخرى إلى زهابه ( شفرة – زنبيل – منثل – قفه – مذري – صفره – كيس خيش ) .
دعونا .. نترك الجموع وقد اكتظت بهم سيح وطرقات شعب النعيم وسيح وطرقات بيوت ( أبوراس – خثعمي – ابن خرمان ) ..
وأخيرا بؤرة الحدث بيت ابن خفير ..

ونبحث في بداية القصة ..
منذ الساعات الأولى للصباح وقبل شروق الشمس .. انتشر الخبر في القرية انتشار النار في الهشيم وأخذ كل بيت يعد نفسه لرزق قادم من وسط الكارثة .. من رحم المصيبة .
جمل ابن خفير مريض ..
وهذا يعني أنه سينحر ويوزع لحمه .. وتلك مناسبة يجب أن لا تفوت .. لحم ومرق .. وخشيب .. وتدفئة ..وبالجملة ليلة مشبعة !!
ربما كان أحد مرتادي المنتدي ثمرة من ثمار تلك الليلة ..!!

وهكذا أخذ كل بيت بالقرية يعد واحدا أو أكثر من أفراده بما يضمن حصولهم على حصة كافية من الغنيمة .. مع تزويدهم بما يلزم من أدوات تعين في التقطيع وبالتالي الحفظ وسهولة النقل .
ومع شروق الشمس كانت الأقدام تقود الناس إلى بيت بن خفير ـ وبالمناسبة بيت بن خفير من أهم البيوت في القرية وإذا ذكر أهل الرأي والمشورة والمرجلة بالقرية وهم معدودون فإن علي بن خفير رحمه الله يعد واحدا منهم .

وأخذت الجموع تتزاحم حول بيت بن خفير بانتظار الخبر السعيد .. نحر الجمل والبدء في توزيع لحمه ..
ولا أحد يعنيه ما يدور بداخل المنزل من هول المصاب ..
ذلك أن الجمل يعتبر للأسرة ـ أي أسرة ـ من أفضل وأغلى الممتلكات إضافة إلى أنه تربطه بأصحابه مع الزمن روابط ودّ وألفة حتى لكأنه أحد أفراد البيت .

وتمر دقائق الانتظار بطيئة .. فكل واحد من الجموع ينتظره أكثر من شغل وعمل .. وفجأة يخرج أحدهم ـ من ثمة البيت ـ كما جاء في المقدمة بالخبر الصاعقة ..
( الجمل قصع الجرة )

ولأهمية الموقف وتقريب الصورة لبعض القراء نقول إن العبارة تعني أن الجمل بصحة جيدة بدليل أنه بدأ يستجرّ مافي جوفه ويعاود طحنه بأسنانه .. وبالتالي لن ينحر .. وعلى الجموع العودة إلى منازلهم وأشغالهم .. غير مطرودين ..

تذكرت هذه العبارة القنبلة ـ أيها السادة ـ وأنا أنظر قبل أيام في نشرات الأخبار إلي قطعان الأبقار في البر الإنجليزي وكاميرات المصورين تلاحقها بالطائرات لإصابتها بالحمى القلاعية ..
وكدت أ قدم لهم نصيحة .. بأن لا يتعبوا نفوسهم فالحل بسيط .. فالأبقار التى ( تقصع الجرة ) بخير وما عليها خلاف .. وعليهم استكمال دورة تهيئتها حتى تتحول إلى جنيهات استرلينية ووسائل ضغط سياسي عبر تصديرها إلى العالم النايم .. آسف النامي ؛ واللي ما ( تقصع الجرة ) عليهم التخلص منها فورا ..
لكن الجماعة ما بيسمعون كلامي .. فربما تجهز كمساعدة أو أن أحد التجارـ عديمي الضمير ويا كثرهم ـ قد اشتراها ودفع قيمتها مقدما وسوقها جاهز ورائج في العالم الثالث ، ومين داري ياعم .
والثانية أني ما أحبهم وقلت الله يقلعهم هم .. وبقرهم .

حسنا ..
دعونا بعد هذا الاستطراد المخل نعود إلى شعب النعيم .. فعلى إثر خبر أن ( الجمل قصع الجرة ) .. أخذت بعض الجموع بالانسحاب .. خصوصا من بدأ يضيق من حرارة الشمس وكذلك من وراءه عمل لا يحتمل الانتظار ..
وبقي آخرين في انتظار انتكاسة الجمل مجددا ..
وبدأت تتشكل حلقات هنا وهناك وفي ظل جدران البيوت المجاورة هروبا من حرارة الشمس ..
وهات يا حكي عن تجارب سابقة لمثل هذه المناسبة وما أصابه المتحدث أو المتحدثة من خير وفير.. خصوصا وقد اعتاد الناس بحكم الحاجة مشاركة الهوام والطيور ..

وقد اعتاد الأهالي أخذ الحيوان المريض (بقرة – ثور- جمل) في الحالات الميئوس منها إلى مكان بعيد عن القرية للتخلص منه ومن تبعاته ومخلفاته وغالبا بالقرب من (حصن المدوره ) المطل على (قطار الغيرة ) وتحديدا أعلى ارتفاع للذاهب إلى القرية والعقبة بالمنطقة المسورة للحسيل بجوار المشهد . وهناك يتشارك بعض البشر مع الهوام والطيور في الفريسه .

معليش طوّلناها شوية !!
مرة أخرى وأخيرة .. نعود إلى شعب النعيم ..
أخذ الإعياء والتعب والإحباط يخيم على الحلقات التي تشكلت هنا وهناك .. ولا تستغرب إذا مررت بحلقة وسمعت من يحلف لتأكيد ما يقول ( والله عدّ راسي _ والله عد راس أولادي ـ وعلي الطلاق ـ والله يقلعني ).

ولو أعرت سمعك لذلك الذي يخفض صوته وهو يحاكي خويّه في معرض الحديث عن العوض الذي يدفع من قبل الجماعة كُلاً حسب قدرته لصاحب الحيوان الذي يفقد .. بما يوازي قيمته وأكثر ؛ لسمعته يقول والله إن ابن خفير يستاهل كل خير أهو صاحب الفزعات وأبو الجمايل .. لكن أعرفه والله ما ياخذ عوض .. الله موسّع عليه .. والله يزيده .

وأخذت تسري الإشاعات بين الجموع وتتناقل التكهنات .. بين متفائلة ومتشائمة نتيجة متابعه وقراءة لأ وجه بعض الجماعة الداخلين والخارجين من والي مقر المصاب من المهتمين بالحدث كمطمئنين وفزاعه .
وسط هذا الجو المشحون بالتوقعات والتكهنات وبعد ساعة تقريبا من إلقاء الخبر الصاعقة ..!!
أتى الفرج ..
تقرر نحر الجمل ..
وقد كان ..!!

اطياف من قريتي 5

وحتى هذه اللحظة رغم مرور ما يقرب من خمسين عاما أتساءل في دهشة وحيرة وتعجب وبغباء أستعذبه ..كيف يتسنى لمتخاصمين أن يلعبا جنبا إلى جنب ، عندما أرى جمعان بن شعيران أحد أصحاب الابتسامة الغامضة .. وسعيد العبسي رحمهما الله يعرضان جنبا إلى جنب ويتضاحكان ، وهما يرددان مع العرّاضة قصيدة لشاعر أولشاعره 0

بن شعيران والعبسي عقوبة ×× دسو الراس في وسط العلف

ولعلني أستطيع فيما بعد من أحد أبناء أو محبي جمعان بن شعيران أو أحد أعضاء المنتدى معرفة دافع القائل ـ وإن كان معتاد مثل هذا الهجاء في بعض المناسبات وخصوصا في عيد الأضحى ـ ذلك أن جمعان بن شعيران شاعر لا تحلوا العرضة إلا بوجوده .. ولا بد أنه قد نكأ جرحا للشاعر أو الشاعره ، أو أراد القائل تحريك الشاعر بن شعيران ليلهب العرضة ببعض ما تجود به قريحته .. وراح فيها حبيب الاثنين سعيد العبسي ..رحم الله الجميع رحمة واسعه ؛

وأحسبه قد انبرأ بشاعريته المعروفة - أعني بن شعيران - ورد الصاع صاعين على هاجيه .. لكن الحقيقة تقول أن هذا المقطع ظل لفترة طويلة موال الكبار والصغار أفرادا وجماعات وهم يعرضون بمناسبة وبغير مناسبة .
وكان الفتى ممن يغيض بترديدها أقرانه من آل شعيران .. والحبيب رحمه الله رحمة واسعة صالح سعيد العبسي .

بن شعيرا ن والعبسي عقوبة ×× دسو الراس في وسط العلف

على أن خيال الفتى وقتها ذهب بعيدا وهو يرى بن شعيران والعبسي يتغامزان ويتضاحكان ، فلعل ذلك عربون اتفاق لخطوط جديدة للموضة ينويان تطبيقها في سراويل النساء بعد ما أشيع أن شخصا ما .. قد حضر لصلاة الصبح بسروال أنثى .. وعندما قبض عليه بالجرم المشهود أقسم أنه لبسه على عجل ظنا منه أنه سرواله .. وبالطبع عذره الجميع لعدم وجود إضاءة كما هو اليوم ولعدم وجود فوارق جوهرية غير اللون الأسود والتطريز الذي يتميز به .. (بتاع المرأة ) .

ذلك أن جمعان بن شعيران وسعيد العبسي هما (الترزيان) الأفضل والأشهر والأكثر حرفية ومهنية بالقرية ، وربما بالمنطقة حيث يقبل عليهما من يرغب في خياطة أنيقة وجيدة من القرى الأخرى كالبكير وعبدان والحلية .

وكعاشق للرجولة والرجال من عزوتي (الأبناء) دعوني أختم بأهم إنجاز للغاليين يعن الله بن هاجر وصالح بن حسين حيث كانا أصحاب مبادرة إدخال الطاقة إلى القرية وربما إلى المنطقة بكاملها في بداية السبعينات الهجرية من القرن الماضي عبر استضافتهما للشيخ عبد القادر عثمان مدير عام المحروقات بالمملكة آنذاك حيث كانا يعملان معه .. ولعل من المصادفة الغريبة أنه وبعد ربع قرن زار القرية أشهر وزير بترول في العالم وقتها معالي الشيخ أحمد زكي يماني لحضور مناسبة لأحد العاملين معه بالوزارة الأخ محمد صالح حذاف .. ومنهم أيضا عبد الله جعري وأحمد بطي والرائع خلقا ووفاءً عبد الله عيسى الذي مازال يتواصل ويعمل مع الرجل حتى الآن وكما أعلم وفاءً وحبا ليس إلا ..

على أن الشيخ عبد القادر عثمان وإبّان زيارته افتتح أول محطة بيع للمحروقات ببلجرشي تولى مسئوليتها كل من أبو أحمد محمد بن حسين وأبو سعيد عبد الله بن هاجر أمد الله في عمرهما في طاعته حيث آلت فيما بعد لابن زومه .

وكذلك مد القرية بالذات .. وتحديدا بالقاز الذي يستخدم في الإضاءة حيث لا حاجة إلى البنزين لعدم وجود سيارات .. ولعل ذاكرة الصديق محمد جمعان بن ناصر مازالت عامرة بقصص وحواديت قوارير القاز .

ولمن أراد أن يضحك ويشمت بأحد من آل سالم فسأذكر له حكاية الشيبة / حامد سالم (أبو عبد العزيز) أمد الله في عمره حيث كان مابين الثانية والثالثة يتدحرج في المجلس حول الخشيب فيما كانت قارورة القاز بجوار النار بغرض كب القليل منها على النار لتزداد اشتعالا بدلا من نفخها وهو المعتاد توفيرا للقاز ..

يأتي استخدام القاز بدل النفخ إكراما لضيوف كانوا مع الوالد حول الخشيب للسمر والتدفئة ،
وفاجأ ( الورع ) الجميع وأخذ القارورة يشرب منها .. وأعلنت حالة الطوارئ ليلتها وأخذ الحزن والتلاوم يخيم على أهل البيت والضيوف ليس خوفا على سلامة حامد فقط !! بل وأسف على قارورة القاز التي اندلق ما تبقى منها ،

ويقول الراوي أن أحد الضيوف ربما كان (أبو غرامة) محمد بن سالم أو الشيخ علي بن أحمد صغير (عريفة البكران ) قد أدخل إصبعه في حلق حامد بغرض استفراغ ما وصل إلى معدته .. ولم يشأ الراوي الدخول في تفاصيل ماذا تم ليلتها .. لكن الذي أشار إليه وشدد عليه ما هو معروف لدى أقارب أصدقاء ومعارف حامد .. بره بوالديه وإخوانه وأقاربه وأدبه وكريم خلقه ورغبته الملحة في مساعدة من يحتاجه ، وربما كان هذا أحد دروس قارورة القاز ! ان لم يكن جبله وخلق فطر عليها الرجل وهو الأرجح 0

ولأن محاكيكم طوَّلها وحان له أن يتوقف رغم الاختصار المخل لحياة حافلة لكل أحد من هؤلاء الرجال ؛ اسمحوا لي أن أروي لكم موقفين من جملة مواقف عشتها وعايشتها مع هؤلاء الرجال يطول الحديث عنها وعلى وجه الخصوص محمد الخثعمي ومحمد بن ملحان .
والموقفان علي بساطتهما يعطيان مؤشر لسبب توفيق هؤلاء الرجال .
أحدها يرويه الأخ / محمد ربعين يقول ..أن صديقا لسعيد ابن عبد الله ابن غرامه زاره بمكتبه قبل وفاته بشهرين تقريبا وبعد تبادل لأطراف الحديث يبدو أنه طال الوقت .. قال سعيد لزائره وهو يستخرج مصحفا من درج مكتبه : بالله تقوم عني يا رفيقي إلحن ياهل البيت أعمارنا قصيرة .. خلني أقرا لي شوية .
ومع تحفظي علي قول - سعيد- أعمارنا قصيره 0
الا أن القصة بالطبع ليست غريبة .. فطلما رآه الفتى وهو (بالمجنة) ـ غدوا أو رواحا من وإلى المنزل ـ وهو على درج بيته وبيده كتاب ومنهمك بالقراءة ..

وأعتذر لقصر المجال عن الحديث عن أهم ما يرتبط بذهني عن الضجة التي صاحبت ترشيحه لعرافة القرية قبل ما يقرب من ربع قرن . وقطعا فلدي أبو علي الأخ عبد الله جعري مايمكن قوله للمستزيد لأن له دور مميز في الموقف .

والعرافة والعريفة في نظري لمن لا يعرفها ( عقل رشيد وصدر واسع وقلب مفتوح وبيت كريم أبوابه مشرعة يدخله كل قاصد ـ بلا تأشيره ولا جواز سفر ـ لقضاء حاجته وإنهاء مشكلته ) والتعريف للمهتمين قابل للتعديل .

وقد جاء ترشيحه إثر فراغ ( دستوري) خلفه اعتذار الشيخ محمد الخولاني حفظه الله عن الاستمرار في عرافة القرية ومن ثم عودته عن قراره بضغط من محبيه وهم الأغلب من الجماعه .. ليقفل بذلك هذا الملف بعد أن ظل ساخنا يوما عن يوم ولمده تقرب من العام مورست خلاله الكثير من الألاعيب الانتخابية بحرفية ومهنية عالية ، وترددت فيه أسماء عدد من الوجوه والأشخاص المرشحة .

وبالنسبة لي (كناخب) يبقى أبو عبد الله مرشحي المفضل (آسف) أنا لا أعرف لجهلي أحد من أ بناءه لكني أحب كنيته باسم والده المرتبط في ذهني بفرسان العصور الوسطي .
وتعالوا معي لتدركوا أي فارس هو حيث يقول كشاعر متمكن في عرضة ومناسبة استثنائية .....
قدر الله بمقدور وفي مقاديره فقات
جاء خضر عند لخمي وقال يالخمي اطلبك العناوه
قال لخمي فلا منّك طلبت العناوه مرحبا
فاطلبنا المعاذير الذي قد جرت بين القبايل
######
___________
قدر الله بمقدور وجا خطره لولاد هيس
ابن عمك لباس الجنب ذا ليّنو في كل قاسي
مثل سيف ابن طالب لا ضربه مرحبا
######
هاذي أعلامنا الذي بيننا يا غشيم ما دريت
______________

انظروا إلى هذا الفارس كيف يلتقط الكلمات من أفواه الكهيل والصبايا ..كما هو من أفواه الرجال في مجالس الرأي والمشورة والحسم .. فيصوغها بروح الفارس .. ونخوة وشهامة الرجل .. وعزة وكبرياء صبي الهيس إلى أفكار وصور وقيم ومبادئ ومنهج ..يلتقطها المتلقي ويفهمها ويوظفها بما يتفق وفهمه وقدراته وإمكانياته وموقعه 0 وللكل بها شأن ؛
( أكرر من ذاكرة على أبواب الشيخوخة .. فهل من مستدرك ؟)

أما القصة الثانية فقد حدثت لي بالفعل مع سعيد بن ذهبة حيث زرته في أصيل أحد الأيام بمستشفى الحرس بُعيد نهاية مدة الزيارة .. وفوجئت بعدم وجوده على الكرسي رغم أن مرضه شديد ، وظللت أنتظر لدقائق مرعوبا لا يكون حدث له مكروه ، وفوجئت ـ وأنا أبحث عمن أسأله ـ بمجيئه يمسح عن وجهه ولحيته الطويلة الكثة بقايا طهوره ..وحيّاني وبابتسامته الغامضة التي أعرفها ، بقيت جالسا أستحضر ما أقوله له فيما هو يصلي وأنا مندهش لصلاته وقت النهي - خويكم فقيه ـ!!
لكنه رحمه الله كان أفقه مني حيث علمت منه أنها صلاة ذات سبب ، وبعد أن قلت ما قد زوّرته في نفسي عن الاحتساب والصبر وبنفس ابتسامته الغامضة وباختصار الرجل المؤمن قال : يا بو عابد اليوم ولا بكرة .. لعل الله يخفف عنا ما ينتظرنا من أهوال .
وخرجت وفي جعبتي درسين من الرجل لو عملت بهما لأفلحت .. خرجت وأنا أردد اللهم خفف عنا ومن نحب ما ينتظرنا من أهوال واجعلنا من الآمنين دنيا وآخرة
!!

اطياف من قريتي 4

ارتج شعب النعيم
وارتج وادي الغدى
وارتج قصر المربع
والبحور أرجفت

سامحوني ..
أعرف جيدا أن الشمس والقمر آيتين من آيات الله عز وجل ومخلوقاته .. لايتم الخسوف أو الكسوف لأيَّاً منهما لولادة أو موت أحد من الخلق كائن من كان ..
لكن ..
لم أجد ما يصور هول الحدث غير هذه الآبيات المقولة والمعدلة بما يناسب الجغرافيا والحدث ..
المصاب كبير ..
والجرح عميق ..
والقلب حزين ..
ولايقال في مثل هذه المناسبات إلا ما يرضي الرب .. الحمد لله وإنا لله وإنا إليه راجعون ..
مات محمد بن معيض الخثعمي ؛
أصيبت قريتي وساكنيها بحزن رهيب وشعور بفقد رجل أعاد صياغة الحياة عقيدة وسلوكا على نحو عجيب ومدهش بين قوم شديدي التمسك بعاداتهم وتقاليدهم .
مات محمد الخثعمي ..
ذلك الوجه الوضيء البريء ..
الذي يشع نقاءً .. وحبا لمن حوله .. خصومه قبل محبيه .. مردداً ما قاله سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم قبل ألف وثلاث مائة وستين عاما (اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون)
مات محمد الخثعمي ..
بعد حياة حافلة كما يحياها المصلحون في مجتمعاتهم وأممهم ..يكثر خصومهم ، وكارهيهم .. ومطارديهم ..
ورويدا ..
رويدا ..
رويدا .. ومع انجلاء الحق ..
يتحول الخصوم إلى أنصار .. والكارهين إلى محبين .. والمطاردين إلى قيادات وموجهي مجتمعاتهم .. فالكل يحب الله .. ويحب ما عنده من خير وفي مقدمته الجنة .
وهكذا كان محمد الخثعمي .. في البدء ..
خصما للكل .. مكروها من الكل .. ومطاردا من الكل ..
فقط لأنه يدعو إلى الله والدار الآخرة ..
فقط لأنه يدعو إلى مكارم الأخلاق ..التي جاء بها سيد ولد ادم عليه وعلى آله ومن استن بسنته إلى يوم الدين أفضل صلات وتسليم ..
قُذف ..وأوذي في نفسه وأهله وعرضه ..
ورمي بيته في جنح الليل بالحجارة ..
وأوذي في مزارعه ..
يا للهول ..
وقائع وأحداث وحوادث .. لا يصبر عليها إلا الأفذاذ من الرجال ..
ومنهم الرجال..؟؟
سوى المصلحين .. والدعاة إلى الله .. والمجاهدين في سبيله .
مات محمد الخثعمي ..
ذاك الوجه النقي .. الوضيء.. بعد أن أعاد القرية وأهلها إلى الطريق الحق .. طريق العزة والكرامة والرفعة .
(نحن قوم أعزنا الله بالإسلام .. ومهما ابتغينا العزة في غيره أ ذلنا الله )

دعونا من العواطف .. والدموع فقد سكب منها الكثير ، كما يسكب منها عند كل فقيد .. وتعالوا نواصل تلمس بعض أحداث ووقائع القرية من خلال استعراضنا لبعض من حياة هذا الرجل ..

وتعود بنا الذاكرة ونحن نقف أمام (بركة) محمد الخثعمي رحمه الله أول محاولات تطوير السقيا بالقرية والباقي أثرها حتى الآن في (الخرقى ) بقرب مسجد القرية الحديث .. وقد أصاب القرية هرج ومرج ـ قبل نصف قرن تقريبا ـ بين مؤيد ومعارض لفكرة الخثعمي رحمه الله من إقامته لهذه البركة التي يملأها بالماء .. ثم وبالمجان احتسابا للأجر وعبر أنبوب منها يتم تعبئة (القرب) ، وفيما بعد صفائح معدنية تحمل كميه ماء يقرب مما تحمله القربة أي ما يزيد عن خمسة وعشرين لتر من الماء ؛ بدلا من معاناة نزع المياه من الآبار مباشرة بواسطة الدلاء من عمق يزيد أحيانا عن عشرين مترا مع ما في ذلك من مشقة ومعاناة لنساء ذلك الزمان القائمات والمسئولات عن هذه المهمة .. وكم من امرأة سقطت في البئر جراء هذه المهمة وماتت .

مما جعل فكرة الخثعمي ثورة على المألوف لجملة من الأسباب يأتي منها مجانية العمل .. ليس لغرابة المجانية فمعروف عن أهل القرية التعاون والشهامة والمرؤة وكرم الضيافة غير أن فكرة الخثعمي تحتاج لمجهود غير عادي ومستمر .. والبديل موجود وهو جهد المرأة باعتبارها أحد المهام الملزمة بها اجتماعيا .. ما قد يفضي بالفكرة في حال نجاحها إلى كارثة وهي تدليل النساء .

وبالفعل نجحت الفكرة وكانت محط أعجاب الأهالي وأحد أسباب قبولهم ومحبتهم للخثعمي ودعوته الإصلاحية .. على أن هذه الفكرة ليست وحدها التي أثارت جدلا .. بل إن جهود الشيخ رحمه الله في إدخال محاصيل زراعية جديدة على القرية كالرمان والجزر والبطاطس كانت هي الأخرى مثار جدل وتندر ونتيجة لنجاح الفكرة أصبحت فيما بعد أهم عوائد العديد من الأهالي الذين أقبلوا عليها بحماس .

على أن جهود الشيخ في الدعوة إلى الله مع عدد من الأخيار نحسبهم كذلك والله حسيبهم ، وفي مقدمتهم الشيخ محمد بن ملحان الذي كان صاحب جهد مميز فيما بعد وفاة الشيخ الخثعمي في المطالبة بالمدرستين الابتدائية للأولاد والبنات ..كبديل عن المدرسة السلفية التي كان يشرف عليها الشيخ الخثعمي كما كان صاحب رأي وشخصية قوية تتضاءل أمامه كثيرا من القامات عند المواقف الحاسمة ولعل المرحوم بإذن الله سعيد بن ذهبة وكما هو معروف عن غيرة الأقران وكماهي عادة الرجال الذين يحفظون لأمثالهم القدر عندما قال بعد وفاة ابن ملحان فقدنا اليوم هرم القرية والله ماكنت أحاربه إلا غيرة منه .. ولعلني في أطياف سابقه أ شرت إلي إجابة الشيخ عساف الخولاني رحمه الله عندما سأ لته لماذا تركت العرافة فأجابني بما معناه أنني خسرت بوفاة بن ملحان الرأي والمشورة والرجل ..كما أنني شخصيا كتبت في جريدة المدينة بتاريخ 24/7/1398هـ كلمة أعتز بها في عزاء الفقيد ..

وبالجملة فإن جهود الشيخين رحمهما الله وعلى وجه الخصوص جهود الخثعمي بأعتباره العالم والموجه قد قلبت حال المجتمع بالقرية وكسر النمطية المعتادة .. وقطعا إلى الأفضل والأحسن والأقرب إلى الله وسنة نبيه عليه وعلى آله وأصحابه ومن استن بسنته إلى يوم الدين أفضل الصلوات والتسليم .
والحديث عن الشيخ الخثعمي ودعوته الإصلاحية هو نفس الحديث عن أي شخصية إصلاحية من حيث الأسلوب والعقبات والمتاعب والمعاناة وأخيرا النجاح ..

ومن فضل الله على الرجل وعلى أهالي القرية توفر شروط الداعية في الخثعمي علما وعملا .. والخيرية في أهالي القرية الذين ناصبوه العداء وأوذي في نفسه بتعرضه للإهانة والمقاطعة وفي ماله بإفساد بعض مزارعه .. وقذف منزله بالحجارة .. وماهي إلا سنوات وتحول العداء إلي حب وإعجاب وتقدير وقبول للنصح والتوجيه .. وتجلى حب الرجل وتقديره حال مرضه .. وكان يوم وفاته يوم حزن وصدمة للكبار والصغار ذكورا وإناثا من أهالي قريته وممن عرفه.. وهم خلق كثير من القرى الأخرى وعلى وجه الخصوص العاملين في مجال الدعوة .. ربما نقلت لنا المقدمة جزءا من الصورة ..

ولعل من المفيد هنا الإشارة إلى أن الرجل قد تلقي العلم منذ صغره وصابر وواصل المشوار بحماس أفتقده رفقة الطفولة وهم سعيد حامد الشول .. علي أبن إبراهيم .. سعد ابن سعيد مطره .. سالم بن عبد الله ال سالم .. رحم الله الأموات وأحسن الخاتمة لنا وللأحياء منهم .
حيث شكلوا أول مجموعه علي مستوي القرية لطلب العلم علي يد شيخ أسمه بن عياش من قرية الفرح يقول الراوي أن كل من عبد الله بن سالم جد فروان أبن حامد وإخوانه , وعبدالله أحمد (عبود) ، وأحمد بن سالم وإخوانه ،
وصديقه وجاره سعيد بن مطره جد سعيد أحمد مطره ( عريفة المساعد ) وإخوانه ، وأحمد عبد الله مطره وإخوانه ، وعبد العزيز صالح مطره وإخوانه ، وأبو توفيق وإخوانه .. أحضرا الرجل بغرض تعليم أبناء القرية القرآن والعلوم الدينية الأخرى والذي حل في بيت لافي بن عجب رحمه الله والد كل من عبدالله وعلي بن لافي بن عجب القريب من الحصن .. حيث أعطي احتسابا للشيخ بن عياش مقرا للسكن مع زوجته وواحدة من بناته وفي نفس الوقت مقر (الكتاب ) الذي التحق به الأسماء أعلاه وربما سقط أسم أو أسمين ويمكن عن طريق الشيخ سعيد الشول تأكيد هذه المعلومة والإضافة إليها 0

علي أن الشيخ الخثعمي وربما لم يشبع نهمه للعلم الشيخ بن عياش أنتقل بعد مايقرب من العام وحفظ أكثر من جزء من القرآن إلى الحمران ومعه سعيد حامد الشول (عريفة الحسب ) .. وعلي ابن إبراهيم جد الشهيد بأذن الله لأمه علي جعري .. وأضيف لهم من خارج السرب أحمد ابن عسله (عريفة الريع ) ..
والمتتبع لحياة الرجل سيجد ولاشك محطات كثيرة أثرت حياته العلمية 0

وباختصار فإن الحديث عن الرجل ودعوته الإصلاحية حديث يفوق قدراتي وحجم قلمي .
ولعل الله أن يقيض من يكتب عنه مايستحقه .. ولعل ما تعيشه القرية من خيرية أهلها - قرباً إلى السنة - منذ دعوته وحتى الآن خير ما يكتب للرجل وعنه .. وخير دليل على بركة جهوده وخيريته .. رحمه الله .

!!

اطياف من قريتي 3

أذكر جيدا المكان .. والزمان .. والحال ؛
وسأترك التفاصيل لجزئية صغيرة من المشهد .. كان أمامنا بحيرة أو مجرى .. لا يهم طوله .. والمهم أن عرضه في حدود خمسمائة متر في المكان الذي نقتعده .. وكان فيما أظن يشطر مدينة استكهولم العاصمة السويدية المعروفة .. وكان المنظر جميلا ورائعا .. وكان مرافقي يؤكد لي أنه بعد أسبوع ستتجمد هذه البحيرة ويمكن للناس من العبور مشيا عليها إلى الجزء الآخر من المدينة - وكمحاولة لاستبقائي أيام - يشدد علي أنه يمكنني الحضور بعد عشرة أ يام ـ وكنا في منتصف يناير على ما أذكر ـ لتعبر ماشيا للظفة الأخرى من المدينة .. وأخذت أردد متعجبا ( سبحان الله ) ! ضاربا عرض الحائط بهذا التلميح بعد أن اعتذرت بشدة عن حضور حفل وداعي استعجالا للعودة شوقا إلى أهلي وناسي .. برغم قصر المده التي غبتها ؛
ولم يكن التلفزيون لحظتها يهمني .. لكن منظر مذيع ( مصور ..! ) معلق على الشاشة ، خرج يقرأ الأخبار .. وأخذت أتمتم .. ماحصلوا إلا هذي الطخة !!
وربما قرأ مرافقي ما يدور في ذهني .. فأخبرني أن هذا الذي يقرأ نشرة الأخبار معاق.. وأ تاحوا له الفرصة رفعا لمعنويات المعاقين ..
وكالعادة.. ياسادة ..
فزعت إلى أم الدنيا وأحوال وناس أم الدنيا.. باعتبارها قاموسي المعرفي .. أقبل تطويره وتطويعه .. لكنني قطعا لا أقبل التنازل عنه
وعلى التو وجدتني .. أحمل على ر أسي (مد) حب ذرة في كيس خيش أذرع طرقات القرية .. من صفح الدير متجها صوب طاحون ابن ذهبة في الزرقا .. وعلى جدار دمنة المطرة الجانب الآخر من مسراب الدباب ـ وضعت الكيس ـ حيث يبدو جدار بيت بن نكته على الجانب الآخر كهرم لا ترى آخره إلا وسعيد بن محمد نكته بحذفته في يده على القريب والبعيد ..

و أخذت ألتقط حجارة من الطريق أبادل من بادرني بالحذف لا أدري من ؟! ومن أين حذفني ؟!
وكعملية إسقاط أخذت أحذف كلب مربي و أنا ألعن وأسخط .. الأمر الذي استدعى سيدة فاضلة تقول مشفقة (وذا ب سكني) .. فقلت لها مدري وشنهو النجس اللي حذفني .. فقالت بودٍّ مفعم بالأمومة .. عليك اسم الله .. هيَّ أفلح ونحاني برمقك ..
وحتى لايطول بنا الوقت ـ علي المتابعين ـ لإكمال ما تبقي مما يستحسن قوله عن أصحاب الابتسامة الغامضة ..!!

أتمنى على مراقبي المنتدى التحقيق مع أحد المتهمين الثلاثة في ذلك الحي الذين أشك في أنهم استقصدوني .. طبعا بعد استبعاد فكرة أي معجبة لأن خويكم مخاطته شبر وما تدخل العين فيه..!!
والثلاثة على التوالي : أحمد محمد الشقيفي ، سعيد بن نكتة .. سعيد بن علي بن يحي .. شرطي الوحيد – سترا لهم - عدم علم أحد من أولادهم ولا أحفادهم ، خصوصا والرجال الثلاثة ملو هدومهم قول وفعل .. ولكن جل من لا يخطي .

وهيَّه خلونا نعود لعلوم الرجال ونخلي السفان ؛
ولك أن تقف مع أحد رجال ذلك الزمان البهي من أصحاب الابتسامة الغامضة مع سعيد بن ذهبة رحمه الله فإلى جانب أنه لم يعارض إن لم يكن شارك في دعوة الشيخ الخثعمي إلا أنه أحدث جملة من التغييرات الجذرية لمجتمع القرية عبر عدد من المبادرات الاستثمارية .. الطاحون .. البقالة .. حضيرة دواجن .. وامتدادا لفكرة الخثعمي في (السقيا) مد أنبوب من ( المقعدة ) إلى قرب منزله لسقيا شرق القرية وخصوصا أهل الزرقا ، ومجاراة وتطوير جهود الخثعمي في إدخال وزراعة محاصيل جديدة والقيام بتسويقها وبيعها خارج القرية سواء في بلجرشي أو بمدينة جدة ، وبالطبع كان معينه في جهوده أخوه أحمد بن ذهبة رحمهم الله جميعا حيث كان يمده من جدة كممول بما يحتاجه من مستلزمات .

ويبقى سعيد بطوله الفارع وهيبته وصميميته فيما يقتنع به يأتي بالعجائب حتى أنه ليرق قلبه حتى البكاء في مواقف إنسانية وفي لحظة تالية يتحول إلى أسد متوحش لا يلوي على شيء إذا أحس أن هناك من سيدوس له على طرف ثوب ، وما احتوائه للرجل الفاضل أحمد بن مبطي رحمه الله وتسليمه مسؤولية تشغيل وإدارة ماطور الطحين وهو الرجل المعاق إلا استجابة للجانب الإنساني الذي أشرت إليه إضافة إلى قدرة إدارية .. وحفاظا على الحرمات باعتبار معظم زبائن الماطور من النساء .. خصوصا وشهامة وأخلاق وحزم وغيرة وأمانة أحمد بن مبطي نادرة حتى لأحس في كثير من الأحيان أن سعيد بن ذهبة أمام بن مبطي هو العامل ..
وبقي (أحمد عجير) سنوات عديدة هي مدة عمل الطاحون (لُكَّه) في كل بيت باعتباره المسئول والعامل عليه .

المجيدات من النساء في تهيئة وجبات المنزل لأهله وضيوفه من (القرصان والخبز والدغابيس والعيش واللبز) تحيل الفضل لأحمد عجير الذي أجاد طحن الدقيق ربما تواضعا منها .. مع ذكره الذكر الطيب وهو جدير بذلك مع الدعاء له .

و(خويضه) منهن تكيل السباب والشتائم لأحمد عجير الذي ما دقق الطحين .. وهذا كما هو معروف حال كل فاشل وخايب رجلا كان أو امرأة في البحث عن شماعة ليعلق عليها فشله وخيبته .
ولعل الإشارة إلي إعاقة أحمد بن مبطي من الرجال تقودنا إلى ذكر امرأة لم تمنعها إعاقتها من أن تكون صاحبة لمسات مميزة في تسريح شعور النساء (كوافيرة) .. وعلى وجه الخصوص (العرايس) ومن هي العروس في ذلك الزمان التي تم زواجها دون المرور على العمة (علية حاويه) .. لتضبط لها التسريحة و (العكيف) ..
أذكر هذا للتدليل أن مجتمع القرية مجتمع منتج ولامكان فيه للعويل والكسول والمتراخي والعاطل .. وحتى المعاق منهم يظل رقما يصعب تجاوزه في المعادلة الاجتماعية والانتاجية .

أرجوكم لا تلوموني في حب وتقدير أفراد هذا المجتمع الذين هم بشر يخطئون ويصيبون .. ومقياسنا فيما يتركه أحد ممن نأتي على ذكرهم من بصمات وأثر في أم الدنيا .!!

اطياف من قريتي 2

وكان جيلا نادرا من الرجال أسهم كل منهم بدور مميز بمجتمعه الصغير الأبناء ، وكان رائدا فيما قدمه من جهد بقصد أو بدون قصد لكنه اخترق بجهده المألوف والمعتاد .. ماجعله يغير في المعادلة الاجتماعية المعتادة .
كما أنهم ليسوا الوحيدين الجديرين بالحديث عنهم .. فالقرية غنية بالرجال .. وغنية بالأقلام القادرة على الحديث عن كل أحد ، وهي محاولة لا غرابة إن سبقتها أو لحقتها مثلها وأجود .. كما أنه لا يجب سحبها من سياقها وهو الحديث أصلا عن أحوال القرية في حقبة الفاقة والشقا والمعاناة .
ولأن حديثنا عن التسيفار فإن أول ما يسجل للرجل وقبل مايزيد على الربع قرن مد العديد من بيوت القرية بشبكة المياه ولأول مرة حيث يتم تغذيتها من ( بير العارض ) مباشرة بواسطة ماطور سطحي يتم به دفع المياه عبر شبكة تصل البيوت مباشرة وبمقابل مقبول ومعقول .
وكانت بداية موفقة لمحاولات أخرى ؛ أذكر منها محاولة المرحوم بإذن الله علي بن جميع .. وصولا للشبكة الحكومية الحالية التي غطت كامل القرية ..
على أن مبادرة أبو محمد الجريئة هذه تأتي تتويجا لمحاولات لا تقل عنها جرأة سنأتي عليها عند استعراضنا لجهود بعض ممن سنتحدث عنهم تاليا .
ولعل الكثير من المعاصرين يعرف أنه أول من أقام عمارة سكنيه على الشارع العام المتجه للعقبة والمطلة على ( الغيرة ) جهة الحمران بغرض الاستثمار ( مازالت قائمه حتى الآن ) .. مما كان مثار استغراب الكثير من الأهالي ودهشتهم من الإقدام على مثل هذه المغامرة .. إذ كيف لأحد أن يسكن بالإيجار بالقرية من أهل القرية أولا .. فقد كان ذلك عيبا وفشيلة .. ثم كيف يسمح لأحد من خارج القرية أن يستأجر ويسكن بالقرية وهذه لا تقل عن سابقتها عيبا وفشيلة .. لكن ومع مرور الأيام وتطور الأحوال أكد الرجل أنه كان مستقرئا جيدا لأحوال وتحولات وحراك المجتمع ، حتى أنني شخصيا كنت من المستغربين والمندهشين .. ولاحقا ممن تمنيت أن أجد عنده فرصة للسكن !!
وفي ظني أن أبو غرامة محمد بن سالم رحمه الله لوكان جذعا عند بناء العمارة وعلم عن فكرة بناءها .. ولما عُرف به من غيرة على التقاليد والعادات لأقام القرية وأقعدها ، ومن الذي لا يسمع ويحترم رأي محمد بن سالم (ملح كل مناسبة) .. بيده وبقدحه وإن شئت استبدال القدح ( بجيبه ) بلغة العصر فقد أصبت الحقيقة ، تجده بمسحاته عند كل ( طينة ) .. وأول من يبدأ بحفر قبر الميت .. بعد أن يكون قد شارك أهل الميت أغلب فترات تمريضه إن كان من الأقارب أو الجيران .. وأكثر الناس ترددا للزيارة إن كان من طرف الدار .
يزهو كل بيت في القرية في العيد بمرور محمد بن سالم مسلما ومعايدا ومباركا .. ومن هو البيت الذي لا يمر به هذا الرجل كريم الخلق وكريم المواقف .
وباختصار محمد بن سالم يمثل الرجل الأبنوي طيب القلب ، نقي السريرة ، الشهم والكريم ، الواصل للرحم ، الذي يعفو عن المخطئ ويلتمس له العذر ، يشكر المحسن ويثني عليه ويعينه ، وبالتالي فلم يسجل له أو عليه خصومة مع أحد وباعتراف كافة الأهالي في ذلك الزمان وإلى عهد قريب .
يأتي حديثنا عن بن سالم للتدليل على أن الصفات الحميدة لها التأثير في قلوب الناس في مقابل كثير من الأفراد ـ في كل المجتمعات ـ يخشاهم الناس ويهابونهم ويخافونهم اتقاء كبرهم وبطشهم وظلمهم وفحشهم وطغيانهم ، وبالتالي توظيف ما وهبهم الله من بسطة في الجسم أوعشيرة كبيرة لتحقيق بعض الأهداف الصغيرة والمغرقة في الأنانية .. حتى لو أدى ذلك إلى خلافات وارتكاب حماقات وخصومات كبيرة .. استجابه لروح العصبية ، استنادا إلى قول شاعرهم ..
( وما أنا إلا من غزية إن غوت .... غويت وإن ترشد غزية أرشد )
وتبعا لانتكاس المفاهيم تُخلع على مثل هكذا أشخاص ألقاب البطولة والشجاعة اتقاء فحشهم وظلمهم وفجورهم في الخصومة ..
ولعل الأخ (الغريب ) وقد طرح في مداخلة لحلقة من الجزء الأول اقتراحا للكتابة عن الشجاعة .. لو عرض كلما سمعه من أخبار الشجاعة والشجعان على المقياس أعلاه إضافة إلى البطولات النادرة التي صاحبت حادثتي [ (هجة) خالد .. و(شفقة) هزاع ] لوجد إجابة وافية !!
وبرغم مرور السنين مازالت لبن سالم سَوءة في ذهن الفتى وخياله ، ستبقى ولها مذاقها الخاص .. ذلك أن الرجل وبطوله الفارع كان ذات يوم يقف شامخا كحصن متحرك رافعا صوته بكلام لا يفهمه وفي يده نصل جنبية على جباهه يبلغ طولها أكثر من مترين وربما زاد وزنها عن طنين محمولة على أعناق رجال القرية من مكان أبعد من منزل العريفة الآن .. وسَوءة الرجل تتمثل في أن أعناق الرجال تكاد تدق من وطأت الحمل وهو يصرخ في هذا تارة .. وأخرى يردد أهازيج غير مفهومة للفتى .. ومرة يضحك وأخرى يحمر وجهه وتنتفخ أوداجه حتى لتكاد تشفق عليه ، وكل ذلك لم يكن يعني الفتى بقدر ما كان يعنيه أنانية الرجل ، ففي الوقت الذي تدق فيه رقاب الرجال تحت وطأة ثقل حمل الجباهة وهو يكمل الناقص بالوقوف عليها ـ محمولا هو الآخرـ يمارس تهريجا ليس ملائما 0
ومما زاد الفتى حيرة أن الكثير من الرجال ـ بعد نهاية الملحمة ـ ومنهم المخدوش وأغلبهم متعب ومرهق يسلمون على الرجل ويشكرون له موقفه .. وكأنه الذي قام بأداء المهمة .. وبدأ الفتى يغرق في سيل من الأسئلة .
وكانت هناك إجابة مانعة قاطعة وهي أن الرجل كان قائد الفريق وأن ماكان يردده نوعا من الأناشيد الحماسية للفريق وأن احمرار وجهه وتغيره وصراخه كلما أحس بأن فريق العمل في خطر يستوجب تصحيح المسار خصوصا والذين يحملون هذا العبء يزيدون عن الخمسين شخصا كل ثلاثة أو أكثر من الرجال من طرف عود ومثلهم من الطرف الآخر ، حيث ربطت الجباهة أو العتبة بأعواد طويلة من العرعر بحرفية ومهنية مميزة بحيث يتوزع الحمل على المشاركين .. ولاشك أن خطرا محدقا بأحدهم أو بكل الفريق لوحدث أي خلل أثناء النقل ، وبالقيادة الواعية والمسئولة والحازمة يمكن تجاوز الخطر والوصول بالمهمة إلى بر الأمان بعد قطع مسافة بضعة كيلو مترات عبر طرق وعرة وضيقة وخصوصا عندما يتم المرور وذاك حتمي عبر مرتفع أو منحدرجبلي وطرقات ومسارب القرية وصولا لمقر المبنى الذي ستوضع الجباهة على عتبته .. وتلك قصة أخرى !!

أطياف من قريتي 1

الحلقة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .. وعلى آله وأصحابه ومن استن بسنته إلى يوم الدين ..
لاحول ولا قوة إلا بالله .. إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي الرب سبحانه ..
فقدت القرية في الأشهر الأخيرة عددا من الرجال الذين نكن لهم كل حب واحترام في حياتهم ونسأل الله لهم بعد وفاتهم الرحمة والغفران ..
وبرحيل الرجل والإنسان أحمد التسيفار رحمه الله رحمة واسعة ، أوشك أن ينتهي جيل من الرجال المميزين من أهالي القرية ..
صحيح أنهم ليسوا من الساسة أوالفنانين أو الأدباء أو المفكرين المعروفين والمشهورين .. لكنهم في نظري أفضل منهم وبالطبع أقل من علماء الشريعة والدعاة إلى الله والمجاهدين ..
فالفئة الأولي الغالب عليها ..
- زيادة وتغذية مساحة الشبهات والشهوات ..
- تعبيد الإنسان لهواه ..
والثانية ..
- البناء الأخلاقي والإنساني ..
- تعبيد الإنسان لربه وخالقه .
وممن يُعرض لهم اليوم ـ من رجال القرية ـ ومن خلالهم لبعض أحوال وظروف القرية خلال الخمسين عاما الماضية أناس عاديين ملئوا المساحة الاجتماعية التي شغلوها باقتدار الإنسان المسلم المتكل على ربه .. ومنهم بفضل الله الداعية .
ويعتبرون بحق ممن عاصروا وشاركوا في التحولات الضخمة والنقلات العملاقة للقرية من (الحطب والخشيب وكسا الحده والهتله) إلى البوتاجاز والسخانة والمكيفات والكنبات والمجالس والصالونات متعددة الفرش والرياش .. ومن ( الفتيلة ولمبة القاز) إلي لمبة الفرولسنت ومختلف أنواع النجف ومن ( اقتلاع وتكسير الصفيان وقطع الأشجار وأغصانها لزوم البناء من تخوم العقبة والجبال المحيطة ونقلها على الجمال وأحيانا على الأعناق ) إلي بمبة الأسمنت وأشكال الديكورات المتعددة .. ومن ( القطران ) إلى البوية المعتق .. ومن ( حبيش والكتنيه ) إلي الميكنة في مختلف الخدمات ، ومنها الفورد والجمس واللاندكروزر واللكزس .. وإلى آخر ما هنالك مما لا يخفى على الجميع .

ويبقى ما يقال هنا رأيا شخصيا فيهم .. ربما لا يروق لآخرين خصوصا ممن تعود على نقد غيرهم وانتقاصهم أحياءً وأمواتا ( وهم في الخلق وتحديدا في القبيلة كثير ) ؛ وسيكون من المفيد إضافة أية معلومة لما يطرح هنا أو الاستدراك خصوصا ممن عاصر أو سمع عن تلك الفترة ؛ إذا عُلِم أن ما يطرح من ذاكرة بدأت تشيخ ؛ مع الأخذ في الاعتبار أن ما يكتب هنا لا يعتبر تاريخا وإنما هي مجرد خواطر وكما يشير العنوان ( أطياف ) والطلب الوحيد من الأحبة الذين يحسنون الظن بهذه الخواطر وكاتبها ويٌُقبلون على قراءتها..
- المزيد من حسن الظن وسعة الصدر ..
- عدم تحميل العبارات والمواقف أكثر مما تحتمل .. ذلك أن الدافع لكتابتها..(حب القرية ومعالمها وأهلها) والمنتدى من أهم الساحات لممارسة هذا الحب والعشق .
- إيصال رسالة تحدي لأعضاء ومرتادي المنتدى وهم في الأغلب من الشباب .. بأن لدى الشيبان ليس فقط ما يمكن قوله .. بل وامتلاك بعض الأدوات المعينة لما يقولون رغم قساوة الحياة التي عاشوها وانعدام الفرص الهائلة التي بين أيدي الشباب ومنها هذا المنتدى .
- وسيله من وسائل التحريض والتحفيز لهم - أعني الشباب - للعطاء المتميز وبدون شك ففيهم مواهب تستحق المتابعة و الاحترام ولها مستقبل واعد ؛ وكمجرب لا مستقبل واعد حقا إلا في القراءة والكتابة في الدين وللدين .

أعود لأقول ..
تشعر وأنت ترى لأول وهلة أحد أولئك الرجال عن بعد .. أنك مقبل على رجل مجهول وإن شئت قلت عالم مجهول .. شخص متكبر .. متعجرف .. تصادمي .. مقبول .. مألوف .. ودود .
ولكنك سرعان ما تجد نفسك وتلك الابتسامة الغامضة التي يقابلك بها - وهي القاسم المشترك الأهم بين المجموعه - قد أصبحت أمام إنسان ليس متكبرا ولا متعجرفا ولا تصادميا قطعا .. لكن غموض ابتسامته يجعله بين القبول والألفة ..
ومع بدء التحية والسؤال عن الأحوال .. تتبدى شخصيته الطيبة الأليفة .. التي تدلف إلى القلب لتزرع الأمان والمحبة والثقة وتشعر معها بأن كل الفوارق .. السن .. ضخامة الجسم ..فخامة العبارة والأسلوب.. قد أصبحت أحد لوازم هذه الشخصية المميزة القريبة إلى القلب بطيبتها وإنسانيتها .

وقبل أن يأتي القلم على ذكر شيء عن بعض من انتقل إلى جوار ربه .. دعونا أيها الأحبة نمتع الأحاسيس والوجدان بذكر رجال مازالوا بيننا .. أمد الله في أعمارهم .. يعن الله بن هاجر .. حاسن بن زنان .. صالح بن غرامه بن حسين ، ويقف القلم طويلا .. وطويلا جدا وبقدر ما تسمح به المساحة المخصصة لهذا اليوم أمام حاسن بن زنان هذا الرجل الذي كان فالدهايم .. يوثانت ..كوفي عنان.. بان كي مون..كان كل أولئك بل أهم منهم لكل أبنوي وأبنوية ؛ ذلك أن القوم وهم مسئولون عن السلم والأمن في العالم ..كانوا ومازالوا مسوقي شعارات وعرابي أطماع دول الاستكبار والهيمنة والاستغلال .
كان حاسن بن زنان مرسول سلام وطمأنينة ، وبلغة المحبين يمكن أن تقول مرسول الحب .. وكان مفتاح كل ذلك ابتسامته !!
ذلك أنه كان يحرك مشاعر الأهالي أسبوعيا سواء المقيمين بالقرية .. أوالمغتربين عبر رحلة مكوكية بين جدة والقرية بسيارة لوري خمسة طن كانت الرحلة في البداية تستغرق ثلاثة أيام ..
تناقصت مع كثرة استخدام الطريق إلى أن وصلت إلى يوم كامل عبر طريق وعر محفوف بالمخاطر وغير مسفلت .. يحمل للمقيمين من المغتربين ما يحتاجونه من مستلزمات مادية وعينية تستقبل بحفاوة المحتاج المتلهف .. وينقل إلى المغتربين مطالب المقيمين .. وإلى الطرفين أخبار وأحوال كل طرف .. وما من بيت أو شخص إلا ومشاعره مع حاسن بن زنان يحمل إليه أومنه خبرا أو رسالة أو عطاءً .. وأصبح للقرية يومين مشحونة بمشاعر مرارة وداع المسافرين .. وفرحة استقبال العائدين
بطل هذه الملحمة الرجل والإنسان حاسن بن زنان ..

كثروا بعدها بسنوات ( الزنانين ) .. لكن يظل حاسن بن زنان بابتسامته الغامضة وخلقه الرفيع وأمانته العالية وكصاحب المبادرة نسيج وحده 0
محمد الخثعمي ..أحمد التسيفار.. محمد بن سالم ..جمعان بن شعيران .. سعيد بن ذهبه .. محمد بن ملحان .. سعيد عبد الله غرامة ـ رحمهم الله جميعا رحمة واسعة ـ وإن شئت زدت في القائمة لكن خشية الإملال ، وقد يكون في ذلك تجاوز غير مقبول لأدبيات وتوازنات معينة قد لا تخفى ..!!
شخصيات تتميز بأن لها دور مؤثر بالقرية ويظل دور الشيخين محمد الخثعمي ومحمد بن ملحان الأكثر حضورا وتأثيرا ..
والجميع يتميز بتلك الابتسامة الغامضة إلى جانب بسطة في الطول والجسم فيما عدى سعيد بن عبد الله ابن غرامه المتوسط الطول والجسم لكنه يقتحم عالمك بضخامة وفخامة العبارة .. حتى أنك لا تستشعر وتستحضر وأنت تتحدث إليه فخامة وضخامة والده رحمه الله فحسب بل يضع بينك وبينه حاجز يفرض عليك التعامل مع شخصه بشيء من الرفق وإن شئت الحذر ..

أذكر أنني قلت له في معرض خلاف بينه وبين أبناء عمومة له .. معاتبا ( إيش بكم ياخوالي ماتقرّون ؟؟!!)
فحدجني بنظرة مغضبة وقال .. ( خلك يا ولد الهروج أخوالك كما سنون المنشار مختلفة والقطع واحد ) .. أو هكذا فهمت العبارة .. وكان جوابي حاضرا لولا خشية صكعة بالصنجة التي كان يحملها .. أوعبارة أضخم وأفخم وأوجع منها ..
على أن من مبادراته التي تحسب له أنه أول شخص يكلف كمندوب لإدارة مكتب للبريد له صلة وإشراف مباشر بوزارة البرق وقتها .. إضافة إلى أنه من أوائل الجماعة في فتح متجر ببلجرشي وكان من المواقع المعتبرة ، ولومد الله في عمره لرأيناه اليوم من كبار رجال الأعمال في المنطقة خصوصا وهو من عشاق التحدي .. وقديستكمل الحديث تاليا عن أبي عبد الله .

يذكرنا بذلك وبكل أؤلئك النفر من ودعناه قبل أشهر الرجل والإنسان أحمد التسيفار سائلين للأحياء موفور الصحة وطول العمر في طاعته .. وأبومحمد والمتوفين منهم الرحمة والغفران .