2009/02/27

اطياف من قريتي 5

وحتى هذه اللحظة رغم مرور ما يقرب من خمسين عاما أتساءل في دهشة وحيرة وتعجب وبغباء أستعذبه ..كيف يتسنى لمتخاصمين أن يلعبا جنبا إلى جنب ، عندما أرى جمعان بن شعيران أحد أصحاب الابتسامة الغامضة .. وسعيد العبسي رحمهما الله يعرضان جنبا إلى جنب ويتضاحكان ، وهما يرددان مع العرّاضة قصيدة لشاعر أولشاعره 0

بن شعيران والعبسي عقوبة ×× دسو الراس في وسط العلف

ولعلني أستطيع فيما بعد من أحد أبناء أو محبي جمعان بن شعيران أو أحد أعضاء المنتدى معرفة دافع القائل ـ وإن كان معتاد مثل هذا الهجاء في بعض المناسبات وخصوصا في عيد الأضحى ـ ذلك أن جمعان بن شعيران شاعر لا تحلوا العرضة إلا بوجوده .. ولا بد أنه قد نكأ جرحا للشاعر أو الشاعره ، أو أراد القائل تحريك الشاعر بن شعيران ليلهب العرضة ببعض ما تجود به قريحته .. وراح فيها حبيب الاثنين سعيد العبسي ..رحم الله الجميع رحمة واسعه ؛

وأحسبه قد انبرأ بشاعريته المعروفة - أعني بن شعيران - ورد الصاع صاعين على هاجيه .. لكن الحقيقة تقول أن هذا المقطع ظل لفترة طويلة موال الكبار والصغار أفرادا وجماعات وهم يعرضون بمناسبة وبغير مناسبة .
وكان الفتى ممن يغيض بترديدها أقرانه من آل شعيران .. والحبيب رحمه الله رحمة واسعة صالح سعيد العبسي .

بن شعيرا ن والعبسي عقوبة ×× دسو الراس في وسط العلف

على أن خيال الفتى وقتها ذهب بعيدا وهو يرى بن شعيران والعبسي يتغامزان ويتضاحكان ، فلعل ذلك عربون اتفاق لخطوط جديدة للموضة ينويان تطبيقها في سراويل النساء بعد ما أشيع أن شخصا ما .. قد حضر لصلاة الصبح بسروال أنثى .. وعندما قبض عليه بالجرم المشهود أقسم أنه لبسه على عجل ظنا منه أنه سرواله .. وبالطبع عذره الجميع لعدم وجود إضاءة كما هو اليوم ولعدم وجود فوارق جوهرية غير اللون الأسود والتطريز الذي يتميز به .. (بتاع المرأة ) .

ذلك أن جمعان بن شعيران وسعيد العبسي هما (الترزيان) الأفضل والأشهر والأكثر حرفية ومهنية بالقرية ، وربما بالمنطقة حيث يقبل عليهما من يرغب في خياطة أنيقة وجيدة من القرى الأخرى كالبكير وعبدان والحلية .

وكعاشق للرجولة والرجال من عزوتي (الأبناء) دعوني أختم بأهم إنجاز للغاليين يعن الله بن هاجر وصالح بن حسين حيث كانا أصحاب مبادرة إدخال الطاقة إلى القرية وربما إلى المنطقة بكاملها في بداية السبعينات الهجرية من القرن الماضي عبر استضافتهما للشيخ عبد القادر عثمان مدير عام المحروقات بالمملكة آنذاك حيث كانا يعملان معه .. ولعل من المصادفة الغريبة أنه وبعد ربع قرن زار القرية أشهر وزير بترول في العالم وقتها معالي الشيخ أحمد زكي يماني لحضور مناسبة لأحد العاملين معه بالوزارة الأخ محمد صالح حذاف .. ومنهم أيضا عبد الله جعري وأحمد بطي والرائع خلقا ووفاءً عبد الله عيسى الذي مازال يتواصل ويعمل مع الرجل حتى الآن وكما أعلم وفاءً وحبا ليس إلا ..

على أن الشيخ عبد القادر عثمان وإبّان زيارته افتتح أول محطة بيع للمحروقات ببلجرشي تولى مسئوليتها كل من أبو أحمد محمد بن حسين وأبو سعيد عبد الله بن هاجر أمد الله في عمرهما في طاعته حيث آلت فيما بعد لابن زومه .

وكذلك مد القرية بالذات .. وتحديدا بالقاز الذي يستخدم في الإضاءة حيث لا حاجة إلى البنزين لعدم وجود سيارات .. ولعل ذاكرة الصديق محمد جمعان بن ناصر مازالت عامرة بقصص وحواديت قوارير القاز .

ولمن أراد أن يضحك ويشمت بأحد من آل سالم فسأذكر له حكاية الشيبة / حامد سالم (أبو عبد العزيز) أمد الله في عمره حيث كان مابين الثانية والثالثة يتدحرج في المجلس حول الخشيب فيما كانت قارورة القاز بجوار النار بغرض كب القليل منها على النار لتزداد اشتعالا بدلا من نفخها وهو المعتاد توفيرا للقاز ..

يأتي استخدام القاز بدل النفخ إكراما لضيوف كانوا مع الوالد حول الخشيب للسمر والتدفئة ،
وفاجأ ( الورع ) الجميع وأخذ القارورة يشرب منها .. وأعلنت حالة الطوارئ ليلتها وأخذ الحزن والتلاوم يخيم على أهل البيت والضيوف ليس خوفا على سلامة حامد فقط !! بل وأسف على قارورة القاز التي اندلق ما تبقى منها ،

ويقول الراوي أن أحد الضيوف ربما كان (أبو غرامة) محمد بن سالم أو الشيخ علي بن أحمد صغير (عريفة البكران ) قد أدخل إصبعه في حلق حامد بغرض استفراغ ما وصل إلى معدته .. ولم يشأ الراوي الدخول في تفاصيل ماذا تم ليلتها .. لكن الذي أشار إليه وشدد عليه ما هو معروف لدى أقارب أصدقاء ومعارف حامد .. بره بوالديه وإخوانه وأقاربه وأدبه وكريم خلقه ورغبته الملحة في مساعدة من يحتاجه ، وربما كان هذا أحد دروس قارورة القاز ! ان لم يكن جبله وخلق فطر عليها الرجل وهو الأرجح 0

ولأن محاكيكم طوَّلها وحان له أن يتوقف رغم الاختصار المخل لحياة حافلة لكل أحد من هؤلاء الرجال ؛ اسمحوا لي أن أروي لكم موقفين من جملة مواقف عشتها وعايشتها مع هؤلاء الرجال يطول الحديث عنها وعلى وجه الخصوص محمد الخثعمي ومحمد بن ملحان .
والموقفان علي بساطتهما يعطيان مؤشر لسبب توفيق هؤلاء الرجال .
أحدها يرويه الأخ / محمد ربعين يقول ..أن صديقا لسعيد ابن عبد الله ابن غرامه زاره بمكتبه قبل وفاته بشهرين تقريبا وبعد تبادل لأطراف الحديث يبدو أنه طال الوقت .. قال سعيد لزائره وهو يستخرج مصحفا من درج مكتبه : بالله تقوم عني يا رفيقي إلحن ياهل البيت أعمارنا قصيرة .. خلني أقرا لي شوية .
ومع تحفظي علي قول - سعيد- أعمارنا قصيره 0
الا أن القصة بالطبع ليست غريبة .. فطلما رآه الفتى وهو (بالمجنة) ـ غدوا أو رواحا من وإلى المنزل ـ وهو على درج بيته وبيده كتاب ومنهمك بالقراءة ..

وأعتذر لقصر المجال عن الحديث عن أهم ما يرتبط بذهني عن الضجة التي صاحبت ترشيحه لعرافة القرية قبل ما يقرب من ربع قرن . وقطعا فلدي أبو علي الأخ عبد الله جعري مايمكن قوله للمستزيد لأن له دور مميز في الموقف .

والعرافة والعريفة في نظري لمن لا يعرفها ( عقل رشيد وصدر واسع وقلب مفتوح وبيت كريم أبوابه مشرعة يدخله كل قاصد ـ بلا تأشيره ولا جواز سفر ـ لقضاء حاجته وإنهاء مشكلته ) والتعريف للمهتمين قابل للتعديل .

وقد جاء ترشيحه إثر فراغ ( دستوري) خلفه اعتذار الشيخ محمد الخولاني حفظه الله عن الاستمرار في عرافة القرية ومن ثم عودته عن قراره بضغط من محبيه وهم الأغلب من الجماعه .. ليقفل بذلك هذا الملف بعد أن ظل ساخنا يوما عن يوم ولمده تقرب من العام مورست خلاله الكثير من الألاعيب الانتخابية بحرفية ومهنية عالية ، وترددت فيه أسماء عدد من الوجوه والأشخاص المرشحة .

وبالنسبة لي (كناخب) يبقى أبو عبد الله مرشحي المفضل (آسف) أنا لا أعرف لجهلي أحد من أ بناءه لكني أحب كنيته باسم والده المرتبط في ذهني بفرسان العصور الوسطي .
وتعالوا معي لتدركوا أي فارس هو حيث يقول كشاعر متمكن في عرضة ومناسبة استثنائية .....
قدر الله بمقدور وفي مقاديره فقات
جاء خضر عند لخمي وقال يالخمي اطلبك العناوه
قال لخمي فلا منّك طلبت العناوه مرحبا
فاطلبنا المعاذير الذي قد جرت بين القبايل
######
___________
قدر الله بمقدور وجا خطره لولاد هيس
ابن عمك لباس الجنب ذا ليّنو في كل قاسي
مثل سيف ابن طالب لا ضربه مرحبا
######
هاذي أعلامنا الذي بيننا يا غشيم ما دريت
______________

انظروا إلى هذا الفارس كيف يلتقط الكلمات من أفواه الكهيل والصبايا ..كما هو من أفواه الرجال في مجالس الرأي والمشورة والحسم .. فيصوغها بروح الفارس .. ونخوة وشهامة الرجل .. وعزة وكبرياء صبي الهيس إلى أفكار وصور وقيم ومبادئ ومنهج ..يلتقطها المتلقي ويفهمها ويوظفها بما يتفق وفهمه وقدراته وإمكانياته وموقعه 0 وللكل بها شأن ؛
( أكرر من ذاكرة على أبواب الشيخوخة .. فهل من مستدرك ؟)

أما القصة الثانية فقد حدثت لي بالفعل مع سعيد بن ذهبة حيث زرته في أصيل أحد الأيام بمستشفى الحرس بُعيد نهاية مدة الزيارة .. وفوجئت بعدم وجوده على الكرسي رغم أن مرضه شديد ، وظللت أنتظر لدقائق مرعوبا لا يكون حدث له مكروه ، وفوجئت ـ وأنا أبحث عمن أسأله ـ بمجيئه يمسح عن وجهه ولحيته الطويلة الكثة بقايا طهوره ..وحيّاني وبابتسامته الغامضة التي أعرفها ، بقيت جالسا أستحضر ما أقوله له فيما هو يصلي وأنا مندهش لصلاته وقت النهي - خويكم فقيه ـ!!
لكنه رحمه الله كان أفقه مني حيث علمت منه أنها صلاة ذات سبب ، وبعد أن قلت ما قد زوّرته في نفسي عن الاحتساب والصبر وبنفس ابتسامته الغامضة وباختصار الرجل المؤمن قال : يا بو عابد اليوم ولا بكرة .. لعل الله يخفف عنا ما ينتظرنا من أهوال .
وخرجت وفي جعبتي درسين من الرجل لو عملت بهما لأفلحت .. خرجت وأنا أردد اللهم خفف عنا ومن نحب ما ينتظرنا من أهوال واجعلنا من الآمنين دنيا وآخرة
!!